كتاب

كونوا بالقرب من (أبنائكم)

بما أنَّ الأُسرة نواة المجتمع، فإنَّ في نجاح الأُسر في مجموعها، هو نجاحٌ للمجتمع، ذلك النَّجاح، الذي لا يمكن الوصول إليه إلَّا من خلال استشعار الأُسرة لأهميَّة دورها، ومن ثمَّ قيامها بما يجب عليها تجاه ذلك الدَّور؛ لأنَّ في تخلِّي الأُسرة عن دورها ضياع في جانب هو من مسؤوليَّاتها، وإشكاليَّة ذلك أنَّ الأثر يمتدُّ إلى أنْ يلحق الضَّرر بقوام المجتمع؛ لأنَّ صلاح قوام المجتمع مبني على صلاح تلك النواة.

ومع ما تحقق من قفزات، وتطوُّر مُتسارع، وصولًا إلى دخول العالم اليوم في حقبة الذَّكاء الاصطناعيِّ، أصبح من الأهميَّة بمكان أنْ تتمسَّك الأُسرة أكثر من أيِّ وقت مضى بدورها، وقيامها بكلِّ مسؤوليَّة بما هو من مهامها، وأقصد بذلك التَّربية أوَّلًا، وثانيًا، وعاشرًا، فقد أصبحت الحاجة إلى قيام الأُسرة بذلك الدَّور أضعاف أضعاف ممَّا كانت عليه بالأمس، ففيما تعيشه الأُسر اليوم من واقع عالم جديد، عَظُم ما يقع عليها فيه من مسؤوليَّة، وهو واقع تصدق فيه، وبالدقَّة المتناهية أبيات بشار بن برد:


مَتَى يَبْلُغُ البُنْيَانُ يَومًا تَمَامَهُ

إِذَا كُنْتَ تَبْنِيهِ وَغَيرُكَ يَهْدِمُ


فَلَو أَلفُ بَانٍ خَلفَهُم هَادمٌ كَفَى

فكيفَ ببانٍ خَلَفهُ أَلْفُ هَادِمِ

فما أكثر من يهدم اليوم، وكل صغير، وكبير له عالمه الافتراضي، وحياته الخاصَّة التي لا يعلمها أقرب الأقربين من حوله، وأقصدُ بذلك الوالدين، اللَّذين مهما بلغا من حرص فإنَّ قنوات التَّواصل، التي صُنعت في جانب التربية واقعًا جديدًا استطاعت أنْ تصل إلى حيث تشكيل حياة وذائقة هذا الجيل، الذي وُلد في حضنها.

في وقت ضاقت المساحة أمام ما يجب أنْ تقوم به الأُسرة، التي ذابت هي كذلك في موجة قنوات التَّواصل، فصحَّ في حقِّ الأبناء اليوم قولَ شوقي:

لَيسَ اليَتَيمُ مَن انْتَهَى أَبَوَاهُ

مَن هَمِّ الحَيَاةِ وخلَّفاهُ ذليلًا

إِنَّ اليَتِيمَ هُوَ الذِي تَلقَى لَهُ

أُمًّا تَخلَّـتْ أَوْ أبًا مشغُـولا

وما أكثر مَن تخلَّت اليوم عن دورها من الأُمَّهات، ومن انشغل على طول الخطِّ من الآباء.

ثمَّ ماذا سِوَى الإفاقة على صدمة واقع تربية الجوَّال، وقنوات التَّواصل، والوصول بالأبناء إلى مرحلة من الدَّمار الذاتيِّ يصعب معها إعادة التَّرميم، والبناء، فما يكون إلَّا الاستسلام لهذا الواقع الجديد، الذي عنوانه (توحد) كل بعالمه، وانسلاخه من واقعه، وبناء قناعات خطأ يعتقد أنَّها صح، وأنَّه هذه هي الحياة، في واقع أوَّل مَن يُصدم به الوالدان، ولكنَّها صدمة بعد فوات الأوان.

إنَّنا نعيشُ في زمن كثر فيه مَن يحذِّر من هذا الواقع الجديد، الذي فرضته قنوات التَّواصل، والعالم يتأهب لدخول حقبة أدهى، وأمر، وأعني بذلك حقبة الذَّكاء الاصطناعيِّ، ومع ذلك تأتي الاستجابة ضعيفة، والموجة تعلو أكثر، وأكثر، والرَّوابط الأُسريَّة بدأت تتفكَّك، ولو بنسبة، والخيار الوحيد للخلاص من كلِّ ذلك: كونُوا بالقُرب من أبنائكم، ناقشوهم، اسمعوا منهم، صارحوهم، لتعرفوا بكلِّ دقَّة كم هي المسافة في ظلِّ هذا الواقع الجديد بينكم، وبينهم، وإنْ صدمتكم النَّتيجة فتحرَّكوا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإيَّاكم أنْ تستسلمُوا.. وعِلمي وسلامتكُم.

أخبار ذات صلة

حديث عن «التكريم»
“خزان الغاز المركزي».. حل أم مشكلة؟!
التحول القيادي.. من التوطين إلى صناعة القرار
الأمن والأمان.. عنوان نجاح حج 1447هـ
;
فلسفة الإخلاء: المساحات البيضاء داخل الوعي كخيار إنساني
قراءة الاتجاهات.. وصناعة القرار
أنديتنا الرياضية.. والتجربة المصرية
الأمن الإعلامي
;
الأبجدية في #نواصي_الإيجابية
شراء المشاهدات
يتغيَّرون.. ونكتفي نحن بالطلاء!
سيدة «نساء» جدة
;
حين نرى الأشياء بعين مختلفة
ما بين الأمراض المزمنة والكلام المسموم رواية أخرى
شكرًا
حفل تخرج الروضة!!