كتاب

ابتعاثُ الإعلام.. واقعٌ ممكن

في عصرنا الحاليِّ، والذي تطفُو على سطحه صراعاتُ القوى والمتغيِّرات الثقافيَّة العالميَّة والجيوسياسيَّة، يقود فيها الإعلامُ العالميُّ الدولَ التي أدركت أنَّ مَن يُسيطر على «الإعلام»، يُسيطر على «العقول»، ولهذا فإنَّ (الإعلام) وبشكل خاصٍّ (الجديد) لم يعدْ ترفًا، وليس مُجرَّد ترفيهٍ ورفاهيةٍ تُمضِي الشعوب أوقاتها؛ كي تتسلَّى بما يبثُّه من برامج ومسلِّيات تفاعليَّة عبر وسائله ووسائطه المتجدِّدة، إنَّما «الإعلام» والابتكار الرقميُّ فيه بات حاجةً مُلحَّةً لتطوير المجتمع، وتأكيد هويَّته وثقافتِه الفكريَّة والمجتمعيَّة في ظلِّ عولمةٍ عالميَّةٍ، وكم هائل من الانفجار المعلوماتيِّ كل لحظة، فيه الغثُّ والسَّمينُ، والكثيرُ منه المضلَّل.

إنَّ الإعلام صناعةٌ ضروريَّةٌ، يتطلَّب ميزانيَّات ضخمة، وكوادرَ وطنيَّة إعلاميَّة مؤهلة وباحترافيَّة، ومجالات البحث والابتكار فيه يتطلَّب أيدي متخصِّصة، حتَّى يتمكَّن من تأدية دوره المنوط به في التنمية الشاملة المستدامة على مختلف المجالات، ويحقِّق مساهمته الاقتصاديَّة، ليس كوسيلة ترويج ودعاية فحسب؛ بل كوسيلةِ استثمارٍ، مثلها مثل أيِّ سلعةٍ ماديَّةٍ يُجنى الأرباح من بيعِها في ظلِّ فورة العالم الرقميِّ اليوم، ولهذا فإنَّ «البنية التحتيَّة» ركنٌ أساسٌ ضمنَ متطلَّبات الإعلام في المجتمعات المتقدِّمة، ومن أبرز أذرع الدول المُمكنة لنفوذها، فهو قوة ناعمة تتوازى مع القوَّة الصلبة، بعد أنْ أصبح الإعلامُ على وجه الأرض بحدودٍ غير مرئيَّة؛ يرافق الأفرادَ ليلًا ونهارًا، ولحظةً بلحظةٍ عبر جهاز ذكيٍّ صغير خفيف الحمل، يربطهم مع أخبار العالم.


من هنا، تأتي الأهميَّة البالغة لمبادرة «ابتعاث الإعلام» التي أطلقها وزير الإعلام معالي سلمان الدوسري، بالتعاون مع وزير التعليم معالي يوسف البنيان، عبر أحد مسارات برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث، وهو (مسار واعد) المبتدئ بالتوظيف، ممَّا يعني أنَّ مَن سيتم ابتعاثه من الكوادر الوطنيَّة سيعود بعد ذلك، ومكانه موجود في ميدان العمل. والمميَّز في هذه المبادرة أنَّ هناك مواءمةً بين عمليَّة الابتعاث ومتطلَّبات سوق العمل الإعلامي، فما سيدرسه ويتدرب عليه المبتعث من أبنائنا، وفق برامج الابتعاث التي يتيحها المسار في 15 دولةً؛ ستكون ضمن التخصصات التي يحتاجها سوق العمل في قطاع الإعلام، من خلال تقييم احتياج الشركات الوطنيَّة في القطاع؛ مثل الإعلام الرقميِّ، والذكاء الاصطناعيِّ في توليد المحتوى وغيرها، فماذا يعني ذلك؟! يعني أنَّ المبادرة لا تعمل فقط على توطين المهن الإعلاميَّة، وتأهيل الكوادر الشابَّة؛ بل أيضًا تمكين الشركات الإعلاميَّة، وتعزيز التنافسيَّة في ظلِّ ما يتمتَّع به سوق الإعلام المحليِّ من فرص استثماريَّة حيويَّة، وبالتالي زيادة مساهمتها في الناتج المحليِّ بقطاع الإعلام بالمملكة، وزيادة الفرص الوظيفيَّة للمواطنِينَ.

بصدق، ومن خلال خبراتي في الميدان الإعلاميِّ، التي تمتدُّ لأكثر من عشرين عامًا، تُعتبر المبادرة التي انتظرناها طويلًا، وتقدِّمها اليوم وزارةُ الإعلام بحسٍّ وطنيٍّ، من خلال مسار (واعد)، بالتعاون مع وزارة التعليم، فرصة حيويَّة للشركات الإعلاميَّة الوطنيَّة في تطوير أعمالها، خاصَّةً وأنَّ الأيدي الأجنبيَّة تكلِّف ميزانيَّات ضخمة، و(ابتعاث الإعلام) الذي بدأت الوزارةُ في تفعيله، واستقبال طلبات الشركات، فرصة للقطاع الخاص؛ كي يواكب متطلَّبات السوق الإعلاميِّ، خاصَّةً وأنَّ المملكة تشهد نشاطًا إعلاميًّا حافلًا ومستمرًّا لفعاليات دوليَّة كل يوم، وبعد سنوات معدودة ستُقام فيها فعاليات عالميَّة كُبْرى نحو (إكسبو)، وكأس العالم لكرة القدم، وغير ذلك؛ ممَّا يعني زيادة التنافسيَّة، وفوز مَن يتمتَّع بالاحترافيَّة والإبداع.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة