كتاب

صفات أهل المدينة المنورة

حين تُذكر المدينة المنوَّرة، يتبادر إلى القلب شيءٌ من السَّكينة التي لا تشبه أيَّ مكان آخر في الدنيا، حيث هنا عاش النبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- وهنا ناصرَ الأنصارُ «الدِّينَ»، وهنا تفتَّحت قلوب النَّاس على قِيَمٍ خالدةٍ من الإيمان والكرم والرَّحمة، فليست المدينة مجرَّد موقع جغرافيا أو تاريخ، بل هي مدرسة حياة، وأهلها هم الامتداد الطبيعيُّ لذلك الإرث النبويِّ العظيم حتى يومنا هذا.

فالمدينة هي دار الهجرة، حين خرج رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- من مكَّة، استقبله الأنصارُ بقلوبٍ مؤمنةٍ، وصدورٍ مفتوحةٍ، فاستحقُّوا أنْ يُخلِّد القرآنُ وصفَهم ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، لم يجمعهم الدَّم، ولا القبيلة وحدها، بل جمعهم الإيمانُ، وصارُوا شركاء في تأسيس أعظم مجتمع عرفته البشريَّة، هذا الإيمان لا يزال حاضرًا في أهل المدينة اليوم، يلمسه الزَّائر في هدوئهم، وفي محبتهم لرسول الله -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، وفي حرصهم على خدمة الحجَّاج والمعتمرِينَ والزَّائرِينَ.


الأنصار أعطُوا درسًا للعالم في الإيثار، كانوا يقتسمُون البيوت والمال مع المهاجرِينَ، حتى وصفهم القرآنُ بقول الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، ومنذ ذلك الحين صار الكرمُ سمةَ أهل المدينة، لا يُفرِّقُون فيه بين قريب وغريب، واليوم إذا تجوَّلتَ في أحيائها القديمة، أو الحديثة، تجد الابتسامة على الوجوه، والضيافة حاضرة في البيوت والمتاجر، والنَّاس يتعاملُون مع الزَّائر كأنَّه فردٌ من العائلة، وهذا من أجمل ما يُميِّز أهل المدينة، البشاشة وحُسنِ الاستقبال، فصارت البشاشة جزءًا من طبيعتهم، يدخل الحاج أو الزائر المدينة مثقلًا بتعب السَّفر، فما أنْ يلتقي بأهلها حتَّى يشعر أنَّ التعبَ خفَّ، وأنَّه في بيت رحبٍ، هذه السِّمة لا تأتي من فراغ، بل من روحٍ طيبةٍ متوارثةٍ.

والمدينة لم تكن دائمًا سهلةَ العيش، فقد عُرفت بحرِّها وجفافها، لكنَّ أهلها صبرُوا، وكان صبرهم بابًا لفضلٍ عظيمٍ، إذ قال النبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: (لَا يَصْبِرُ عَلَى لَأوَائِهَا وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ القِيَامَةِ)، وهذَا الصَّبر جعلهم أكثرَ قوَّةً ورضا، وأكسبهم طمأنينةً انعكست على تعاملهم مع الآخرين، الزَّائر يلحظُ هذا الصَّبر في هدوء حياتِهم، في بساطةِ عيشهم، وفي رضاهم، رغم ما حباهم الله من شرفِ الجوارِ لرسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، إلَّا أنَّ التواضع من أبرز صفاتهم. لا تكلُّف، ولا استعلاء، بل بساطة في الملبس والمعيشة والمعاملة. التواضع هنا ليس ضعفًا، بل قوَّة نابعة من إدراكهم لعظمة المكان، وإحساسهم أنَّهم جيران سيِّد الخلق -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ-، ومعروف عن أهل المدينة «الرَّحمة»، وأنَّهم يحرصُون على تفقُّد المحتاج، ويقفُون مع الضَّعيف، ويخدمُون الغريب، هذه الرُّوح التكافليَّة صارت جزءًا من شخصيِّتهم الاجتماعيَّة، الزَّائر يلمس ذلك حين يطلب المساعدة، فلا يجد إلَّا تجاوبًا سريعًا وإحسانًا صادقًا.


ومن أعظم ما يُميِّز أهل المدينة، أنَّهم ورثة الأنصار والمهاجرِين، الذين قال لهم رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: (أَنْتُم الشِّعارُ والنَّاسُ الدِّثَارُ)، فمحبَّتهم للنبيِّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- ليست شعارًا، بل سلوكٌ يوميٌّ، يعكس وفاءً ممتدًّا عبر القرون، من جيل الأنصار والمهاجرين إلى أحفادهم اليوم، ولا تنسوا حجم البركة فيها وأجرها.

إنَّ المدينة تستقبل ملايين المسلمين كل عام، هذا التنوُّع لم يُذِب شخصيَّة أهلها، بل زادها ثراءً، فاستطاعُوا أنْ يجمعُوا بين الانفتاح على العالم، وبين الحفاظ على هويَّتهم وعاداتهم وإرثهم العظيم، ترى فيهم توازنًا فريدًا، في احترام الآخر ويُبجِّلُونه، مع الاعتزاز بالجذور.

ومن نِعم اللهِ علينا، أنْ سخَّر اللهُ للبقاع المقدَّسة في المملكة قيادةً رشيدةً حكيمةً، وضعت دستورها ونبراسها من هدي النبوِّة العظيم، وجميع إمكانياتها وجهودها ورجالها -بفضل الله- لخدمة الحرمين الشَّريفين وزائريهم بأعلى مستويات من الرِّعاية والعناية، تجدها من الوصول للمغادرة.

(المدينة المنوُّرة ليست مجرَّد مدينة، بل روحٌ، في قلوبِ أهلهَا سكينةٌ).

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة