كتاب

الصحافة العلمية.. بين «نوبل» والأواني الفارغة!

بكلِّ هدوءٍ، وعبرَ مسيرةٍ علميَّةٍ زاخرةٍ، قدَّم فيها أكثر من 300 بحثٍ علميٍّ، حظيتْ بأكثر من 250 ألف استشهاد علميٍّ، تعالى عالميًّا صوت فوز عالم الكيمياء السعوديِّ البروفيسور عمر ياغي بجائزة نوبل في الكيمياء 2025م، بالمشاركة مع عالِمَين آخرَين، ليكون أوَّل سعوديٍّ يفوز بالجائزة العالميَّة الشَّهيرة المقدَّمة من الأكاديميَّة الملكيَّة السويديَّة للعلوم؛ تقديرًا لإسهاماته الرياديَّة في تأسيس علم الكيمياء الشبكيَّة. وقدم البروفيسور ياغي، شكره العميق لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله-؛ لتشجيعهما المستمر، ودعمهما لأبحاثه العلميَّة، فالعلم لا تتحقَّق ثماره دون الدعم والمساندة، والقيادة السعوديَّة الحبيبة دائمًا تجدها داعمةً ومشجِّعةً للعلم والعلماء الحقيقيِّين، وتصل إليهم، وتكتشفهم قبل الآخرِينَ؛ كي تحفِّزهم للتفرُّغ للعلم والابتكار والإبداع، حتى وإنْ كانوا بعيدًا عن الضوء الإعلاميِّ؛ لأنَّ قيادتنا -حفظها الله- والرُّؤية السعوديَّة مع أميرنا المُلهم ولي العهد حريصةٌ على جعل المملكة مركزًا للتطوُّر والعلم والعلماء خدمة للبشريَّة.

إنَّ «ياغي» عبر ما صرَّح به على إحدى القنوات، أشار بأنَّ فوزه مفاجأة لم يتوقَّعها، والحقيقة مفاجأة لنا جميعًا؛ لأنَّ الجائزة الشهيرة عرَّفتنا بعالِم كيمياء سعوديٍّ قدَّم ابتكارات علميَّة تُعتبر من الأهم في القرن الواحد والعشرين، ورغم أنَّه -بلا شك- معروف في الأوساط العلميَّة والمتخصِّصة، إلَّا أنَّه قبلها لم تتداول وسائل الإعلام اسمه، ولم نجد ترندات عنه سابقًا، ومؤكَّد هناك كثير من العلماء والمبدعين في وطننا الحبيب مثله، لا نعرف عنهم كجمهور، نتيجة ضعف الصحافة العلميَّة، حتَّى تأتي الجوائز الحقيقيَّة والمؤتمرات الموثوقة تكشف عنهم، إنَّهم منكبُّون على أبحاثهم وإنجازاتهم، وليس لديهم وقت يهدرُونه على الترندات، والدعايات المجانيَّة للحصول على «شو إعلامي»، وسمعة فارغة.


وبعيدًا عن التعميم، بين الحين والآخر، نسمع عن بعضٍ ممَّن يروِّجون الأخبار بفوزهم هنا وهناك، عبر منتديات غير معروفة، ويقدِّمون أنفسهم أنَّه أوَّل فلان، أو فلانة فاز عالميًّا، ولا نرى للجهات الرسميَّة العلميَّة الرَّصينة أيَّ إشارة لفوزهم؛ ممَّا يؤكِّد أنَّهم يستغلُّون عواطف الجمهور مع الترندات، وفي ظلِّ الضعف المهنيِّ لدى عدد من الصحفيِّين غير المتخصِّصين في الصحافة العلميَّة، نجد مَن يركض خلف أيِّ خبر لنشره، أو بثِّه، ويتم عقد حوارات معهم، بغض النظر عن صحَّة المصدر الناقل، بل أحيانًا لا يكون هناك مصدر سوى الشخص نفسه الذي أعلن فوزه!!

دعوني أحكي لكم موقفًا حصل معي شخصيًّا، منذ بضع سنوات، وصلتني رسالة من جهة غير معلومة، ولا أكاديميَّة بدولة عربيَّة: (نحن موسوعة غير ربحيَّة، ونبارك لك أستاذة حليمة، تم اختيارك في الموسوعة ضمن أبرز السيِّدات السعوديَّات المؤثِّرات، ونرغب في تكريمك بالدكتوراة الفخريَّة)، ثم وضَّحوا أنَّهم سيقدِّمون لي: (شهادة حضور لثلاث فعاليَّات معتمدة، وشهادة دكتوراة فخريَّة، ولقاءً تلفزيونيًّا، وأخبارًا صحفيَّة تغطِّي الحدث ودرع الموسوعة). وتأتي المفاجأة بأنَّ (رسوم هذا كله شامل الإقامة الفندقيَّة 4000 دولار) وليس هذا فقط.. وعملوا لي خصم 50%!! يعني كانت 8000 آلاف دولار!! فضحكتُ من قلبي، وطبعًا عدم الدفع يعني لا دكتوراة، ولا يحزنون، وكانت إجابتي: لا حاجة لي بتكريمٍ مزيَّف، وعملتُ «بلوك»! ثمَّ تفاجأت بعد فترة بإحدى السيِّدات تغرِّد عن تكريمها من الملتقى المدفوع ذاته! لتصلها التَّهاني والتبريكات! وهكذا ببساطة يتم تلميع الأواني الفارغة.


بصدق، بلادنا الحبيبة ثريَّة بالعلماء والمبدعين وبالمشروعات التي تنهض بأعلى المواصفات العالميَّة، ولا بُدَّ أنْ يوازي ذلك وجود صحافة علميَّة نشطة بمهنيَّة، تضيء مسيرتهم، وتثري الجمهور بالحقائق عنهم، بما يحفِّز الشباب في المجالات العلميَّة، ويعزِّز الوعي العلميَّ في المجتمع.

أخيرًا، تذكَّروا جيِّدًا، أنَّ الأواني الفارغة وحدها مَن تُحدث ضجيجًا.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة