كتاب

ظاهرة تكفير الآخرين!!

تُعدّ مسألة تكفير الآخرين من أخطر الظواهر الفكرية التي أصابت العديد من المجتمعات الإسلامية عبر العصور، لأنها تمسّ صميم العقيدة، وتؤدي إلى تمزيق وحدة الأمة، وتشويه صورة الإسلام، فالتكفير ليس مجرد رأي أو خلاف فكري، بل حُكم شرعي خطير، يتعلّق بإخراج المسلم من دائرة الإسلام، وله تبعات جسيمة على الفرد والمجتمع إذا أُسيء استخدامه، أو فُسِّر بغير علم. إنّ الإسلام دين رحمة وعدل، جاء ليقيم ميزان الفهم على أساس العلم والبيّنة، لا على الأهواء والانفعالات. والقرآن الكريم حذّر من التسرّع في إطلاق الأحكام على الناس، فقال تعالى: (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا).

التكفير ليس من صلاحيات الأفراد، ومن أخطر ما يُميِّز خطاب المتطرفين في عصرنا، هو استباحة حق الله في الحكم على الناس، فالتكفير في أصله من اختصاص القضاء الشرعي والعلماء الراسخين، بعد التثبُّت والتحقُّق، واستيفاء الشروط وانتفاء الموانع، أما أن يتجرأ الأفراد أو الجماعات على تصنيف الناس، وتوزيع صكوك الإيمان والكفر، فذلك خروج عن منهج الإسلام، وتعدِّ على حدود الله.


كثير ممَّن يسلك طريق التكفير؛ لا يفعل ذلك بدافع الغيرة على الدين كما يظن، بل نتيجة ضيق في الفهم، وجهل في العلم، وغلو في التطبيق، فالتكفير يمنح صاحبه إحساسًا زائفًا بالتفوّق الديني، وكأنه يملك الحقيقة المطلقة، ويُمثِّل الإسلام وحده، وهذا الانحراف الفكري يتحوَّل إلى مرض نفسي قائم على الاستعلاء، واحتكار الجنة، وهو ما سمَّاه بعض العلماء «الغرور الديني»، كما أن بعض الجماعات تستغل فكرة التكفير لأغراض سياسية أو سلطوية، حيث تستخدمها أداة لإقصاء الخصوم، وتبرير العنف والتدمير، تحت شعارات تطبيق الشريعة أو نصرة الدين.

ظاهرة التكفير لا تبقى حبيسة الفكر، بل تتحوّل سريعًا إلى سلوك عدواني، فمن كفّر مسلمًا، استباح دمه وماله وعرضه، ظنًا أنه يقيم الحق، وهكذا تبدأ دوامة الفتن والاقتتال والانقسام داخل المجتمعات، والتاريخ الإسلامي شهد فتنًا دامية كانت شرارتها الأولى كلمة كافر، واليوم، مع انتشار وسائل التواصل، أصبح خطاب التكفير أكثر سرعة وانتشارًا، فصار البعض يُكفّر مَن يخالفه في المذهب، أو الاجتهاد، أو حتى في الرأي!.


مواجهة ظاهرة التكفير تبدأ من ترسيخ ثقافة الوعي الديني الصحيح في المدارس، والمساجد، والإعلام، ويجب أن يُربّى الجيل على أن الإسلام ليس صراعًا في مَن على حق ومَن على باطل، بل هو منظومة قِيَم وأخلاق وسلوك يختبرها الإنسان في مواقفه اليومية، ومن الواجب كذلك إعادة الاعتبار لعلماء الوسطية؛ الذين يملكون أدوات الفقه والاستنباط، بدلاً من ترك الساحة لصوت الغلو والجهل.

كما أن على المؤسسات الدينية والتعليمية أن تبيِّن بوضوح شروط التكفير وموانعه، وأن تُظهر كيف أن التسرع في التكفير يُعدّ من الكبائر التي تهدم الدين من داخله.. فالتكفير بغير علم جريمة فكرية تشبه القتل المعنوي، لأن من كفّر مسلمًا بغير حق؛ فقد اعتدى على إنسانيته قبل دينه.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة