كتاب

سؤال صريح

كم مرَّة تَهرَّبنا من الأسئلة؛ لأنَّ الإجابة ستكشف ما لا نريد رؤيته؟ وكم مرَّة اخترنا المجاملة بدل المواجهة، والسُّكوت بدل الوضوح؛ لأنَّ الحقيقة قد تُربك الصورة التي صنعناها لأنفسنا أو للآخرين؟.

السؤال الصريح هو لحظة شجاعة، تُسحب فيها الأقنعة، ويُكسر فيها الصَّمت الذي يتغذَّى على الخوف، لكنَّ مشكلتنا مع السؤال الصريح، ليست في صياغته، بل في تبعاته؛ لأنَّ السؤال الحقيقي لا يتركك كما أنت، إمَّا أنْ يغيِّرك أو يعرِّيك.


هل أنا سعيدٌ فعلًا؟ نهرب لأنَّ الإجابة قد تعني أنَّ ما بنيناه طوال سنوات لا يشبهنا، وأنَّ الطريق الذي مشينا فيه لم يكن خيارنا الحقيقي، بل خيار التوقُّعات والضُّغوط والخوف من الخسارة، السؤال الصريح هنا لا يُدمِّر، لكنَّه يطلب ثمنًا وقرارًا.

أمَّا في بيئة العمل، السؤال الصريح والأكثر إزعاجًا هو: هل هذا الموظَّف في المكان الصحيح؟ هل هذا المدير يضيف قيمةً، أم يستهلك الفريق؟ هل هذا القرار اتُّخذ لمصلحة المؤسَّسة، أم لمصلحة شخص؟ هذه الأسئلة لا تُطرح كثيرًا، ليس لأنَّها غير مهمَّة، بل لأنَّها مكلِّفة، قد تُغضب، قد تُحرج، وقد تكشف خللًا لا يريد أحدٌ تحمُّل مسؤوليَّته، وصدقًا الإدارة التي تخاف من السؤال الصريح، هي إدارة تحكم على نفسها بالترهُّل؛ لأنَّ غياب السؤال يعني غياب التصحيح، وغياب التصحيح يعني تراكم الأخطاء حتى تتحوَّل إلى ثقافة، وعندما تصبح الأخطاء ثقافة، لا ينفع معها تدريب، ولا شعارات، ولا خطط إستراتيجيَّة.


السؤال الصريح ليس هجومًا، لكنَّه اختبار للثقة، وللنزاهة، وللنيَّة الحقيقيَّة خلف الأفعال، لذلك، من يرفض السؤال الصريح غالبًا لا يخاف من السؤال نفسه، بل من الإجابة التي ستضعه أمام مرآة لا يستطيع كسرها. وهنا نقطة مهمَّة، ألَا وهي: ليس كل مَن يطرح سؤالًا صريحًا صادقَ النيَّة، فالسؤال الصريح يحتاج أخلاقًا بقدر ما يحتاج شجاعةً، وهناك فرق بين سؤال يريد الإصلاح، وسؤال يريد الإحراج، وبين سؤال يُطرح بحثًا عن حلٍّ، وسؤال يُطرح بحثًا عن انتصارٍ شخصيٍّ، فالصراحة بلا مسؤوليَّة تتحوَّل إلى قسوةٍ، والوضوح بلا حكمة يتحوَّل إلى فوضى، والوضوح ليس رفاهيَّةً، بل ضرورة.

السؤال الصريح ليس مشكلة، المشكلة في الإجابة التي لا نريد الاعتراف بها، ومَن لا يملك شجاعة السؤال، سيعيش عمره كله يشتكي من نتائج لم يجرؤ يومًا على فحص أسبابها، والسؤال الصريح لا يُضعفك، بل يكشف موضع قوتك الحقيقي. (مَن يعرفُ أين يقفُ، لا يخافُ أنْ يُسألَ).

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة