كتاب

النقاش البيزنطي!!

النقاشُ البيزنطيُّ، إحدى أكثر الظواهر شيوعًا في معظم المجالس، والمنظَّمات، وبيئات العمل، بل وحتَّى في الحياة اليوميَّة، رغم أنَّ كثيرين يمارسُونَه دون وعيٍ أو إدراكٍ، وهو باختصار، نقاشٌ طويلٌ، معقَّدٌ، مليءٌ بالتفريعات والجدل النظريِّ، لكنَّه فقيرٌ في النتائج، وعديمُ الأثر العمليِّ، وقد يبدُو في ظاهره عميقًا ومليئًا بالتَّحليل، لكنَّه في حقيقته استنزافٌ للوقت والجهد، والبُعد عن جوهر المشكلة.

ويرجع أصل المصطلح إلى بيزنطة، حيث اشتهر بعض مفكِّريها وقادتها بالانغماس في نقاشات فلسفيَّة ولاهوتيَّة دقيقة، في أوقات كانت الدَّولة تواجه أخطارًا حقيقيَّةً تُهدِّد وجودها، كان الجدلُ يحتدمُ حول قضايا نظريَّة معقَّدة، بينما كانت الأسوارُ تُحاصَر، والقراراتُ المصيريَّةُ غائبة، ومن هنا أصبح النِّقاشُ البيزنطيُّ رمزًا لكلِّ جدل ينشغل بالقشور، ويترك اللُّبَّ، ويهتم بالتَّفاصيل الصغيرة، ويتجاهل الصورة الكبرى.


أمَّا في واقعنا المعاصر، لا يختلفُ النقاشُ البيزنطيُّ كثيرًا عن صورته التاريخيَّة، نراه في اجتماعات بعض المنظمات التي تمتدُّ لساعاتٍ دون قرارات واضحة، وفي لجانها التي تناقش الصِّياغات بدل النتائج، وفي فرق العمل التي تختلفُ على الشَّكل؛ قبل الاتِّفاق على المضمون، وقد يُنفَق وقت طويل في مناقشة كيف نكتبُ؟ بدل ماذا سنفعلُ؟ أو مَن المُخطئُ؟ بدل كيف نُصلح الخطأَ؟.

وأخطر ما في النقاش البيزنطي، أنه يمنح المشاركين شعورًا زائفًا بالإنجاز، ويخرج البعض من النقاش وهم يظنون أنهم أنجزوا عملًا فكريًّا عميقًا، بينما الحقيقة أنَّهم لم يقتربوا خطوة واحدة من الحل، فالكلام لا يُقَاس بكثرته، ولا العمق يُقَاس بالتَّعقيد، وإنما تُقاس قيمة النقاش بقدرته على إنتاج قرار، أو توجيه فعل، أو حلِّ مشكلة، ومن سمات النقاش البيزنطيِّ الواضحة، التَّكرار، والدَّوران في حلقة مفرغة، والانتقال من نقطة إلى أُخْرى دون رابطٍ عمليٍّ، وغالبًا ما يتحوَّل إلى ساحة لإثبات الذَّات، أو استعراض المعرفة، أو تسجيل النِّقاط بين المتجادلِينَ، بدل أنْ يكون أداةً للوصول إلى أفضل خيار، وفي كثير من الأحيان، يصبحُ النقاشُ غايةً في ذاته، لا وسيلة، أمَّا في بيئات العمل، فيُعدُّ النِّقاشُ البيزنطيُّ أحد أسباب فشل المشروعات، وتعثُّر القرارات، فالمنظَّمات التي تُفرط في التِّحليل دون تنفيذ، أو تُشجِّع الجدل المفتوح بلا إطارٍ زمنيٍّ، أو هدفٍ محدَّدٍ، تستهلك طاقة موظفيها في الكلام بدل الإنجاز، ومع الوقت، يفقد الفريقُ الحماسَ، وتتآكل الثِّقة، ويصبح الاجتماعُ مرادفًا للتَّأجيل لا للحسم، فالنقاشُ البيزنطيُّ هو بلا بوصلة، وبلا نهاية، وبلا أثر. لذلك، من الحكمة أنْ تطرح أسئلة حاسمة تُنهي الجدل العقيم، مثل، ما القرارُ المطلوبُ؟ ما الخيارُ العمليُّ الآن؟ ما الذي سيختلفُ لو أخذنا بهذا الرَّأي أو ذاك؟ هذه الأسئلة تُعيد النِّقاش إلى مساره الطبيعيِّ، وتُخرج المشاركِينَ من متاهة التَّفاصيل غير المؤثِّرة.


وفي الحياة الشخصيَّة أيضًا، يسرق النقاشُ البيزنطيُّ أعمارًا كاملةً، فكم من خلافات عائليَّة أو اجتماعيَّة استمرَّت سنواتٍ؛ بسبب جدلٍ حول مَن بدأ؟ ومَن أخطأ؟ وما الذي قِيل؟ بدل التركيز على الحلِّ والمصالحة! الجدل هنا لا يُصلِح، بل يُعمِّق الفجوة، ويحوِّل الخلاف من مسألة عابرة إلى جرحٍ دائمٍ.

أخيرًا النقاشُ البيزنطيُّ ليس دليل ذكاء، ولا علامة عمق، بل في كثيرٍ من الأحيان مؤشِّر على غياب القرار، أو الخوف من الحَسم، سواء على مستوى الفرد، أو المنظَّمة، حيث لا يحتاج إلى نقاشات طويلة، بقدر ما يحتاج إلى وضوح، وشجاعة، وقدرة على التَّمييز بين ما يستحقُّ النقاش، وما يجبُ إيقافه فورًا.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة