كتاب

السيدة حياة إلياس

مَن قال إنَّ التعلُّم محصورٌ في زمان أو مكان، أو حتَّى في عُمر محدَّد؟. مَن أتحدَّث عنها اليوم، السيِّدة حياة مصطفى إلياس -رحمها الله- التي شرفتْ في حمل خدمة القرآن الكريم، وحمل رسالته المقدَّسة، فزاحمتْ أهلَه قراءةً وتجويدًا وحفظًا عن ظهر قلب، رغم أنَّها لم تنل حظًّا وافرًا من التَّعليم، فقد كان كل ما تمكَّنت منه عبر الكتاتيب، هو فكُّ الخطِّ، ولكنَّها شغفتْ بالقرآن الكريم حبًّا وتعلُّقًا، وانطلقتْ في طريق لم يكن مفروشًا بالورود، بل كان صعبًا شائكًا، وذلك نظرًا لعدم معرفتها بقواعد اللُّغة العربيَّة، ولا بأصول التَّجويد وعلومه، ولكنَّها لم تستلمْ، بل شحذت إرادتها؛ لتنطلق في طريقها؛ لتُتمَّ حفظها للقرآن الكريم بجدارةٍ وإتقانٍ في مدَّة عامين فقط، حيث نالت إجازة القرآن الكريم برواية حفص من طريق الشاطبيَّة عام ١٤٠٦ هجريَّة بتقدير ممتاز.

السيِّدة حياة لم تكتفِ بذلك القَدْر، بل راحت تنهلُ من منابع القرآن العذبة، وانطلقتْ في طريق القرآن، فسلكتْ في مدارجه؛ لتحظى بشرف الحصول على صحَّة السَّند في القراءات السبع، وقد تتلَّمذت على يد الشيخ إبراهيم الأخضر، الذي أجازها عام ١٤٤٢؛ لتكون إحدى خادمات القرآن في المدينة المنوَّرة، وحظيتْ بشرف إنشاء وتأسيس مدرسة الحياة لتحفيظ القرآن الكريم على نفقتها الخاصَّة، ولم تألُ جهدًا في الإشراف على المدرسة، وتعهُّدها معنويًّا وماديًّا؛ لتصبح مدرستها حاضنة لطالبات العلم الشَّغوفات بالقرآن الكريم وعلومه، ولتتخرَّج فيها حافظاتُ كتاب الله، اللَّواتي ساهمنَ بدورهنَّ في المهمَّة السَّامية بحمل أمانة خدمة القرآن الكريم.


سيدةٌ أُمِّيَّةٌ، ورغم ذلك، تفوُّقها وتميُّزها في تلاوة القرآن الكريم، كانا الشَّفيعَينِ لها، فتم اختيارها من قِبل وزارة الشؤون الإسلاميَّة والأوقاف والدَّعوة والإرشاد ضمن لجنة التَّحكيم لجائزة الأمير سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، والتي أُقيمت في الرِّياض، وذلك عام ١٤٢٧ هجريَّة، وهو شرفٌ لا تحظى به إلَّا مَن تتميَّز وتتفوَّق في علوم القرآن.

السيِّدة حياة لم تقتصر فعاليتها على مجال القرآن الكريم، لكنَّها اتَّسعت وامتدَّت للفعاليَّات الاجتماعيَّة، فقد كانت سيدة مجتمع من الطراز الأول، تتحلى بصفات الكرم والحكمة، ودماثة الخلق، والقدرة على الاحتواء، تساهم بحكمتها ونصحها في حياة الدائرة البعيدة قبل القريبة من حولها، وتفك عسرة مَن تضيق عليهم ظروف الحياة، لا تردُّ مُحتاجًا، ولا تُغلقُ بابها دون طارقٍ، كما كانت إحدى العضوات المميَّزات بجمعيَّة طَيبة الخيريَّة، وساهمت من خلالها بجهودها في نثر بذور الخير والعطاء في المجتمع المدنيِّ.


السيِّدة حياة على المستوى الشخصيِّ والإنسانيِّ كانت شخصيَّةً فذَّةً بكلِّ المقاييس، فقد ضربت أروع الأمثلة على الصَّبر عند الابتلاء، كما كانت مدرسةً يتعلِّم منها المرءُ ماهيَّة الامتنان لله على النعم، فرغم معاناتها الطَّويلة مع المرض العضال الذي هاجمها بشراسة وضراوة، واستفحل في جسدها، إلَّا أنَّها كانت حامدةً شاكرةً لله تعالى، أنَّها قادرة على ذكر الله وشكره، وتلاوة القرآن، وحتَّى أواخر أيَّامها كانت تنثر السَّعادة والتَّفاؤل، لم يُفارقها الأملُ في الشفاء، ولم تفقد شجاعتها في محاربة المرض ومقاومته حتَّى آخر نَفَسٍ، فضربت أروع الأمثلة على تقدير هبة الحياة، حتى اختارها الله تعالى بجواره.

السيِّدة حياة من سيِّدات المدينة التي نفخرُ بهنَّ في مجتمعنا، وهي من القُدوات ذات الأثر الكبير على مَن حولها، جمعت سيرةً عطرةً بين جنبات المدينة، وتركت ذكرى مشرِّفةً في رحلة حياتها، تستحقُّ التَّكريمَ والتَّعظيمَ، رحمَها اللهُ وآنسَ وحدتَهَا.

«خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ».

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة