كتاب

الخوجة فخرية هانم

في تاريخ المدينة المنوَّرة صفحاتٌ لا تُقرَأ في الكُتب فقط، ولكنَّها محفوظة في ذاكرة البيوت، وفي روايات الأجداد، وفي وجدان جيلٍ تربَّى على يد معلِّماتٍ حملنَ رسالة العلم قبل أنْ تُبنَى المدارس، وتُرسَم المناهج، ومن بين تلك الأسماء، يبرز اسم الخوجة فخرية هانم، التي ارتبط حضورها بصورةٍ مبكِّرةٍ من صور التَّعليم النِّسائيِّ التقليديِّ، حين كان الكُتَّاب هو المنارة الأولى لتعليم الفتيات القراءة، والكتابة، وحفظ القرآن الكريم بالمدينة المنوَّرة.

الخوجة فخرية هانم كانت من أصولٍ تركيَّةٍ، جاءت بسلوكٍ تربويٍّ يجمع بين الهيبة والحنان، وبين الانضباط والرِّعاية، فأدارت كتَّابها في زقاق الشونة، وهو قريبٌ من محيط المسجد النبويِّ، حيث كانت الفتيات يفدنَ صباحًا بملابسهنَّ البسيطة، وعيونهنَّ المليئة بالرَّهبة والفضول، فلم يكن الكُتَّاب مجرَّد مكانٍ للحفظ، بل كان فضاءً اجتماعيًّا وتربويًّا، تتشكَّل فيه شخصيَّة الطالبة، في تعلُّم الحروف، وضبط التلاوة، وآداب الجلوس، واحترام الكبير، وقيمة المثابرة.


وفي تلك الحقبة، خلال بدايات العهد السعوديِّ وفي زمن الملك عبدالعزيز، لم تكن هناك مدارس رسميَّة للبنات في المدينة المنوَّرة. كان التَّعليم النظاميُّ مقتصرًا على مدرسةٍ رسميَّةٍ واحدةٍ للأولاد، بينما تولَّت الكتاتيب مهمَّة تعليم الفتيات، وهنا تحديدًا تتجلَّى أهميَّة دور الخوجة فخرية هانم، مع مثيلاتها من نساء المدينة، فقد أسهمت، في سدِّ فراغٍ تعليميٍّ واجتماعيٍّ بالغِ الحساسيَّة، وهي تعلم أنَّ تعليم البنت ليس ترفًا، بل تأسيسًا لبيتٍ متعلِّمٍ وأجيالٍ أكثرَ وعيًا.

وتميَّز كتَّاب الخوجة فخرية هانم بنظامٍ واضحٍ ومراحلَ تشجيعيَّةٍ ذات طابعٍ احتفاليٍّ، كان الأهالي الذين يبعثُونَ ببناتهم إلى الكتاتيب الذي يقيم لهنَّ حفلاتٍ تحفيزيَّةً يعدُّ جزءًا من الثقافة التربويَّة -آنذاك-، فإذا ما حفظت الطالبة سورة الفاتحة، والإخلاص، والمعوَّذتَين، أُقيم لها حفلٌ يُسمَّى الصَّرْفَة، احتفاءً ببداية الطَّريق، وإعلانًا رمزيًّا عن دخولها عالم الحفظ والالتزام، وأمَّا إذا أتمَّت قراءة كامل المصحف، فيُقام لها حفل الصرافة، وهو حدثٌ له مهابةٌ خاصَّةٌ، تُستدعى له الأقارب، وتُقدَّم فيه الضِّيافة وتُتلَى فيه الأدعية.


لم يقتصر دورها على التلاوة والحفظ، بل امتدَّ إلى تعليم القراءة والكتابة، وضبط المخارج، وتلقين مبادئ العلوم الدِّينيَّة، والأخلاق، كانت صارمةً حين يلزم الأمر، رفيقةً حين ترَى تعبًا أو خوفًا، وفي مجتمعٍ محافظٍ وبسيطِ الإمكانات، كانت شخصيَّة المعلِّمة تمثِّل مرجعًا تربويًّا وأخلاقيًّا، تُهَاب وتُحتَرم وتُستَشار أحيانًا.

تروي بعض الذَّاكرات أنَّ الكُتَّاب في الشونة كان يعجُّ بأصوات التَّرديد الجماعيِّ، وأنَّ العصا الرمزيَّة الموضوعة جانبًا كانت جزءًا من أدوات الضَّبط السَّائدة -آنذاك-، لكنَّها لم تكن تختزل شخصيَّة الخوجة فخرية هانم، فقد غلب على صورتها في الوجدان طابع المعلِّمة الوقورة، التي تحملُ همَّ التَّعليم، وتفرحُ بتقدُّم طالباتها، وتفخرُ بختم إحداهنَّ للمصحف.

والخوجة فخرية هانم، من الرَّائداتٍ في زمنٍ لم يكن الطريقُ فيه ممهَّدًا، لقد مثَّلت تجربتها حلقةً انتقاليَّةً بين التَّعليم التقليديِّ والتَّعليم النظاميِّ، وأسهمت في بناء قاعدة من الفتيات المتعلمات، اللواتي أصبحن لاحقًا أمهاتٍ ومربيات ومعلمات.

مثل هؤلاء ليس مجرَّد استدعاءٍ لاسمٍ من الماضي، بل قراءةٌ في مرحلةٍ تشكَّلت فيها ملامح التَّعليم النسائيِّ في المدينة المنوَّرة عبر جهودٍ فرديَّةٍ مخلصةٍ، وهو تذكيرٌ بأنَّ التَّعليم، قبل أن يكون مؤسَّسةً، كان رسالةً يحملها أشخاصٌ آمنُوا بقيمته.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة