كتاب

لماذا فشلنا في كأس العالم؟

من غير المنطقيِّ أنْ تمتلك المملكةُ كلَّ هذا الاستثمار الرياضيِّ الضخم، والدوري الأقوى آسيويًّا، والبنية التحتيَّة الحديثة، ثمَّ يظهر المنتخبُ الوطنيُّ بصورةٍ لا تعكس حجم ما يُنفق، ولا حجم الطموح. ما يحدث ليس أزمة مباراة أو بطولة، بل أزمة منظومة تحتاج إلى مراجعة شجاعة، قبل أنْ نستضيف العالم في كأس العالم 2034.
لا يمكن تعليق الإخفاق على المدرِّب وحده، أو تحميل اللاعبين كامل المسؤوليَّة؛ لأنَّ المشكلة أعمق من ذلك. فكل بطولة تكشف أنَّ المنتخب يبدأ من الصفر، وكأنَّ السنوات الماضية لم تترك أيَّ إرثٍ فنيٍّ أو إداريٍّ.

أولى المشكلات تتمثَّل في غياب الاستقرار الفنيِّ. فمنذ سنوات يتكرَّر تغيير المدرِّب بعد كل إخفاق، فتتغيَّر الأفكارُ، وتتبدَّل القناعاتُ، ويبدأ المنتخبُ رحلة بناء جديدة قبل أنْ يكتمل المشروع السَّابق. المنتخبات الكُبرى لا تصنع النجاح بردود الفعل، بل بالصبر على مشروع واضح.
أمَّا الملفُّ الأكثر حساسيَّة فهو اختيار اللاعبين. عندما يشعر الشارعُ الرياضيُّ أنَّ المجاملة، أو الضغوط، أو الأسماء تسبق الجاهزيَّة الفنيَّة، فإنَّ الثقة تهتز. المنتخبُ ليس مكانًا للمكافآت، أو إرضاء الأندية، بل للأكثر جاهزيَّة وانضباطًا وإنتاجًا داخل الملعب.

ويبرز سؤال أكثر إيلامًا.. أين الرُّوح؟ في كثير من المباريات، لقد بدا اللاعبُ السعوديُّ وكأنَّه يؤدِّي واجبًا وظيفيًّا لا معركة وطنيَّة. القميص الأخضر يجب أنْ يحمل مسؤوليَّةً وشغفًا وقتالًا حتَّى آخر دقيقة، لا مجرَّد حضور وانتظار صافرة النهاية.
كما لا يمكن تجاهل أثر التعصُّب الرياضي. فبدل أنْ تتوحَّد الجماهير خلف المنتخب، تتحوَّل بعض المنصَّات إلى امتداد لصراعات الأندية، فينعكس الضغط والانقسام على اللاعبين، ويصبح المنتخبُ ضحيَّةً للميول قبل أنْ يكون ممثلًا للوطن.
لكن الأخطر هو المستقبل. استضافة كأس العالم 2034 ليست مناسبةً احتفاليَّةً، بل اختبار تاريخي. وإذا لم نبدأ اليوم في صناعة جيل جديد، فإنَّ استضافة البطولة وحدها، لن تصنع منتخبًا منافسًا.
الحل يبدأ بقرارات قد تبدو صادمةً، لكنَّها ضروريَّة: تثبيت مشروع فنيٍّ يمتد لسنوات لا لأشهر، ومنح المدرِّب كامل الصلاحيَّات دون تدخُّل، وربط الانضمام للمنتخب بالأرقام والجاهزيَّة فقط، واستبعاد أيِّ لاعب لا يقدِّم أقصى درجات الالتزام مهما كان اسمه، وإنشاء لجنة فنيَّة مستقلَّة تقيِّم الأداء بعيدًا عن الضغوط الإعلاميَّة، وإلزام الأندية بخطط حقيقيَّة لتطوير اللاعب السعوديِّ، وإعطائه دقائق لعب كافية بدل الاكتفاء بالحلول السريعة.
كرة القدم لا تعترف بحجم الإنفاق وحده، بل بجودة الإدارة، وعدالة الاختيار، واستمراريَّة المشروع. وإذا أردنا أنْ يكون مونديال 2034 نقطة فخر تاريخيَّة، فعلينا أنْ نعترف أولًا بأنَّ المشكلة ليست في خسارة مباراة.. بل في طريقة صناعة المنتخب بأكملها.

أخبار ذات صلة

مشكلة المنتخب في هؤلاء!!
الإجازة وفضول (الأسئلة)!
عام الحزن.. وسورة الأمل
قصر خزام في جدة
;
عمر كدَرس.. عبقري اللحن السعودي
خروج الأخضر.. جرس إنذار قبل مونديال 2034
الأكاديميات الرياضية.. الطريق الأفضل لصناعة أبطال المستقبل
حين يتحول تعليم القرآن إلى صناعة أثر مستدام
;
قضية القضايا!!
أيهما أسرع: الاتصال أم الإرسال؟!
التعليم.. وصناعة المستقبل
مزاد التمور.. من يربح ومن يخسر؟
;
السقوط الصامت.. حين تنتحر الحضارات من الداخل
كيف تصنع المستوطنات عقلًا سياسيًّا متطرفًا؟
ليس كرمًا.. بل هياط وطبقية
استثمار الصناعة