كتاب

عام الحزن.. وسورة الأمل

ما أشدَّ الحاجة إلى سورة «يوسف»، حين تضيقُ الصدورُ، وتتزاحمُ الأحزانُ، وتغيبُ ملامحُ الفجرِ خلفَ ليلٍ طويلٍ. ففي عام الحُزن، حين فَقَدَ النبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- زوجَهُ خديجة -رَضِيَ اللهُ عنهَا- وعمَّه أبا طالبٍ، نزلت هذهِ السُّورة؛ لتقول إنَّ طريق الأنبياء ليس مفروشًا بالورود، وإنَّما بالصَّبر واليقين، وأنَّ الأقدار المؤلمة قد تكون الجسر الذي يعبرُ بالعبدِ إلى أعظم المنح.
ولم يسمِّ اللهُ هذه القصَّة «أحسنَ القَصَص» لأنَّها أكثرَها تشويقًا، بل لأنَّها تكشفُ كيف تتحوَّل المحنُ إلى منحٍ، وكيف يدبِّرُ اللهُ لعبادهِ الصَّالحِينَ أمورَهم بلطفٍ خفيٍّ لا تدركه الأبصارُ. فمن قاعِ الجُبِّ، إلى خزائنِ مصرَ، ومن ظُلمةِ السجنِ، إلى نورِ التمكينِ، كان القدرُ الإلهيُّ يرسمُ النهاية منذ البداية.

يقولُ الإمامُ ابن القيِّم -رحمَه اللهُ- في معنى السُّورة: «إِذَا ضاقَ الأمرُ اتَّسعَ، وإِذَا اشتدَّ الكربُ قربَ الفرجُ»، مبيِّنًا أنَّ المؤمنَ لا يقيسُ تدبيرَ اللهِ بلحظةِ الألمِ، وَإِنَّما بعاقبةِ الأمرِ، فاللهُ -سبحانَهُ- يُربِّي عبادَهُ بالابتلاءِ قبلَ العطاءِ.
ويقرِّر شيخُ الإسلامِ ابن تيمية -رحمَهُ اللهُ- قاعدةً عظيمةً توافقُ معاني السُّورة بقولهِ: «مَا يصيبُ المُؤمن مِن بلاءٍ، إلَّا وَفِي طيَّاتهِ نعمةٌ ورحمةٌ إِذَا صبرَ واحتسبَ»، فالابتلاءُ ليس علامة غضبٍ، بل قد يكون سبيلًا إلى رفعة الدَّرجات، وتطهير القلوب.

أمَّا الشيخُ عبدالرحمن السعدي -رحمَهُ اللهُ-، ففي تفسيرهِ لسُورةِ «يوسف» يبيِّن أنَّ من أعظم مقاصدها، تسليةَ النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، وتعليمَ المؤمنِين أنَّ العاقبة للتَّقوى، وأنَّ لطفَ الله بعباده قد يخفَى في أوَّل الأمرِ، ثمَّ يظهر في آخرِهِ ظهورَ الشَّمسِ بعدَ انقشاعِ السَّحابِ.
ولذلك جاءت الآيةُ الجامعةُ: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وجاءت آياتٌ أُخْرى تؤكِّد المعنى نفسه: ﴿فَإِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾. فالقرآنُ كلُّه يربِّي المؤمنَ على أنَّ اليأسَ ليس من صفات أهل الإيمان.
ومن أبهى مشاهد السُّورة، موقف يعقوب -عليهِ السَّلامُ- لمْ يمنعُه الحزنُ مِن حُسنِ الظَّنِّ باللهِ فقالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيْلٌ﴾، ثمَّ نَاجَى رَبَّه بقولهِ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾. إنَّها شكوى إلى الله، لا شكوى من الله، وبينَ العبارتَين فرق تصنعه العقيدةُ الرَّاسخةُ.
ثمَّ يبلغُ السموُّ الإنسانيُّ ذروتَهُ عندما يقول يوسفُ لإخوتهِ بعدَ أنْ تمكَّن منهم: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾. فكان العفُو أعظمَ من الانتصارِ، والرَّحمةُ أبلغَ من العقوبةِ، وكأنَّ السُّورة تعلِّمنا أنَّ القلوبَ الكبيرةَ لا تحملُ الضغائنَ، وأنَّ أعظمَ المنتصرِينَ هُم القادرُونَ على الصَّفح.
إنَّ سورة «يوسف» ليست مجرد قصة، بل رسالة متجددة لكل قلب أثقلته الهموم. فإذا طال ليل الابتلاء، فتذكر أنَّ يوسف خرج من الجب، ومن السجن، ليقود أمة. وإذا أبطأ الفرجُ، فتذكَّر أنَّ اللهَ يدبِّرُ الأمرَ بلطفهِ قبل أنْ تراه عينَاك. وما دام القلبُ متعلِّقًا بالله، فلن يكون الحزن نهاية الحكاية، بل قد يكون أُولَى صفحاتِ الأملِ.

أخبار ذات صلة

مشكلة المنتخب في هؤلاء!!
الإجازة وفضول (الأسئلة)!
قصر خزام في جدة
عمر كدَرس.. عبقري اللحن السعودي
;
خروج الأخضر.. جرس إنذار قبل مونديال 2034
الأكاديميات الرياضية.. الطريق الأفضل لصناعة أبطال المستقبل
حين يتحول تعليم القرآن إلى صناعة أثر مستدام
قضية القضايا!!
;
لماذا فشلنا في كأس العالم؟
أيهما أسرع: الاتصال أم الإرسال؟!
التعليم.. وصناعة المستقبل
مزاد التمور.. من يربح ومن يخسر؟
;
السقوط الصامت.. حين تنتحر الحضارات من الداخل
كيف تصنع المستوطنات عقلًا سياسيًّا متطرفًا؟
ليس كرمًا.. بل هياط وطبقية
استثمار الصناعة