كتاب
عندما يفتح العالم دفتره أمام عام 2030.. هل سيحقق أهداف التنمية المستدامة في الموعد المحدد؟
تاريخ النشر: 06 يوليو 2026 10:45 KSA
تنطلق في مدينة نيويورك خلال الفترة من 7 إلى 15 يوليو 2026 أعمال المنتدى السياسي الرفيع المستوى للتنمية المستدامة، الذي يُعد أهم منصة دولية لمتابعة تنفيذ خطة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لعام 2030. ويمثل المنتدى المحطة السنوية التي يقف فيها العالم أمام نفسه ليطرح ثلاثة أسئلة جوهرية: ماذا أنجزنا فعلًا؟ وأين ما زلنا متأخرين؟ وما الذي ينبغي أن يتغير قبل فوات الوقت؟
ويكتسب المنتدى هذا العام أهمية استثنائية، إذ يأتي قبل أربع سنوات فقط من الموعد المحدد لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، في وقت تشير فيه التقارير الدولية إلى أن العالم أحرز تقدمًا في بعض المجالات، لكنه لا يزال يواجه تحديات كبيرة في تحقيق العديد من الأهداف. ولذلك سيركز المنتدى على خمسة ملفات تمثل ركائز التنمية الحديثة، هي: المياه النظيفة والصرف الصحي، والطاقة النظيفة، والصناعة والابتكار والبنية التحتية، والمدن والمجتمعات المستدامة، والشراكات لتحقيق الأهداف.
وتشارك المملكة العربية السعودية في المنتدى بوفد يرأسه معالي وزير الاقتصاد والتخطيط، حيث ستقدم المراجعة الوطنية الطوعية الثالثة للمملكة، بعد تقريري عامي 2018 و2023، مستعرضةً ما تحقق من تقدم في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، وأبرز التحديات، وأولويات المرحلة المقبلة، بمشاركة أكثر من 140 جهة من القطاع الحكومي، والقطاع الخاص، والجامعات، ومنظمات المجتمع المدني، والشركاء الدوليين.
وقد يتساءل البعض: لماذا تُسمى هذه المراجعة 'طوعية'؟ وهل يعني ذلك أن أهداف التنمية المستدامة غير ملزمة أو قليلة الأهمية؟ والحقيقة أن وصفها بالطوعية لا يعني أنها اختيارية أو غير ذات قيمة، بل يعني أن الأمم المتحدة لا تُلزم الدول قانونيًا بتقديمها، احترامًا لسيادة الدول واختلاف ظروفها التنموية. ومع ذلك، أصبحت هذه المراجعات تمثل معيارًا دوليًا للشفافية والمساءلة، وفرصة لتبادل الخبرات، واستعراض الإنجازات، وتحديد الفجوات، وتحسين الأداء، حتى باتت كثير من الدول تحرص على تقديمها بصورة دورية.
غير أن أهمية المنتدى لا تكمن في الكلمات التي تُلقى أو البيانات التي تصدر، وإنما في التحول العميق الذي شهده مفهوم التنمية نفسه خلال العقود الخمسة الماضية. ففي الماضي، كان نجاح الدول يُقاس بمعدلات النمو الاقتصادي وحجم الناتج المحلي الإجمالي، ثم اتسع المفهوم ليشمل التنمية البشرية وتحسين نوعية الحياة، قبل أن يتبلور مفهوم التنمية المستدامة لأول مرة في (تقرير برونتلاند) 'مستقبلنا المشترك' الصادر عام 1987، الذي أكد أن تلبية احتياجات الحاضر يجب ألا تكون على حساب قدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها.
ومنذ ذلك الحين شهد العالم سلسلة من المحطات المفصلية؛ فقد اعتمد مؤتمر قمة الأرض في ريو دي جانيرو عام 1992 مفهوم التنمية المستدامة أساسًا لـ أجندة 21 بوصفها خطة عمل عالمية لتحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، وحماية البيئة. ثم جاء مؤتمر جوهانسبرغ عام 2002 لينقل الاهتمام من الاتفاق على المبادئ إلى التركيز على التنفيذ، تلاه مؤتمر ريو+20 عام 2012 الذي مهد لاعتماد أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر عام 2015، لتصبح الإطار العالمي الذي تسترشد به الدول في رسم سياساتها التنموية.
ولم يقتصر التطور على المفهوم وحده، بل امتد إلى آليات الحوكمة الدولية. فقد انتقل العالم من لجنة التنمية المستدامة إلى المنتدى السياسي الرفيع المستوى، ومن التركيز على إعداد الخطط إلى التركيز على قياس النتائج والأثر. فلم تعد التنمية المستدامة مجرد رؤية أو مجموعة من المبادرات، بل أصبحت منظومة متكاملة للتخطيط، والتنفيذ، والقياس، والتحسين المستمر.
وانعكس هذا التحول أيضًا على طبيعة المشاركة الوطنية. ففي المراحل الأولى كان ملف التنمية المستدامة يُنظر إليه باعتباره ملفًا بيئيًا، ولذلك كانت الجهات البيئية تقود المشاركة في الاجتماعات الدولية. أما اليوم، فقد أصبحت التنمية المستدامة إطارًا وطنيًا شاملًا يرتبط بالتخطيط الاقتصادي، والسياسات العامة، والاستثمار، وجودة الحياة، والابتكار، والحوكمة. ولهذا انتقلت مسؤولية قيادة هذا الملف في كثير من الدول، ومنها المملكة العربية السعودية، إلى الجهات المعنية بالتخطيط والتنمية الاقتصادية، في دلالة واضحة على أن التنمية المستدامة لم تعد قضية بيئية فحسب، بل أصبحت مشروعًا وطنيًا متكاملًا.
وفي المملكة، يتجسد هذا التحول في مواءمة رؤية السعودية 2030 مع أهداف التنمية المستدامة، وفي اتساع دائرة المشاركة لتشمل مختلف الوزارات والهيئات، والقطاع الخاص، والجامعات، والقطاع غير الربحي. ولم تعد المشاركة في المنتدى مجرد عرض للمبادرات، بل أصبحت فرصة لقياس أثر السياسات الوطنية، وتحديد أولويات المرحلة المقبلة، والاستفادة من أفضل الممارسات الدولية. كما يعكس إطلاق مبادرة السعودية الخضراء، والتوسع في برامج الطاقة المتجددة، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد، والاقتصاد الدائري للكربون، هذا التحول نحو دمج الاستدامة في السياسات التنموية والاقتصادية للمملكة. وتمثل المراجعات الوطنية الطوعية التي قدمتها المملكة أعوام 2018 و2023، ويُستكمل مسارها في مراجعة 2026، نموذجًا عمليًا لترسيخ ثقافة الشفافية وقياس الأثر الفعلي للسياسات على جودة حياة الإنسان.
ولعل أهم ما يميز دورة المنتدى لهذا العام أنها تركز على قضايا تمس حياة الناس بصورة مباشرة؛ فالمياه، والطاقة، والبنية التحتية، والمدن المستدامة، ليست شعارات دولية، وإنما عناصر أساسية لجودة الحياة، وتعزيز التنافسية، وتحقيق الأمن المائي والغذائي، وتحسين البيئة الحضرية، ودعم النمو الاقتصادي.
ومع اقتراب عام 2030، يبدو واضحًا أن العالم بدأ ينتقل إلى مرحلة جديدة في التفكير التنموي. فلم يعد السؤال: كم ننتج؟ ولا حتى: كيف نحقق التنمية؟ بل أصبح: كيف نحول التنمية إلى نتائج قابلة للقياس؟ وكيف نجعلها أكثر قدرة على استعادة الموارد الطبيعية وتعزيز ازدهار الإنسان والطبيعة معًا؟
وقد شهد مفهوم التنمية المستدامة تطورًا ملحوظًا منذ ظهوره في ثمانينيات القرن الماضي. ففي البداية كان التركيز منصبًا على تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة، ثم توسع المفهوم تدريجيًا ليصبح إطارًا شاملًا يدمج العدالة الاجتماعية، والحوكمة الرشيدة، والابتكار، والتحول الرقمي، والاقتصاد الأخضر، والاقتصاد الدائري، والطاقة المتجددة، والتمويل المستدام، وتعزيز قدرة المجتمعات على مواجهة التغير المناخي والأزمات العالمية.
واليوم، تتجه بوصلة الفكر التنموي نحو مرحلة أكثر تقدمًا ترتكز على ثلاثة تحولات رئيسة؛ أولها أن التنمية المستدامة أصبحت الغاية الإستراتيجية، بينما يمثل الاقتصاد الأخضر النموذج الاقتصادي لتحقيقها، وتُعد الإدارة البيئية الأداة التنفيذية التي تضمن حسن التطبيق وقياس الأداء. أما التحول الثاني فيتمثل في التوسع في توظيف الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي لإدارة الموارد الطبيعية، ورفع كفاءة الطاقة، ودعم الوصول إلى الحياد الكربوني. ويتمثل التحول الثالث في بروز مفهوم التنمية بإعادة التجديد (Regenerative Development)، الذي يتجاوز فكرة الحد من الضرر إلى تحقيق أثر إيجابي يعيد بناء النظم البيئية، ويعزز قدرتها على التجدد، بحيث تصبح البيئة بعد تنفيذ المشروع أفضل مما كانت عليه قبله.
إن المنتدى السياسي الرفيع المستوى ليس مجرد اجتماع سنوي للأمم المتحدة، بل هو مرآة تعكس تطور الفكر التنموي العالمي. فبعد أن كان الاهتمام منصبًا على إعداد الخطط، أصبح التركيز اليوم على جودة التنفيذ، وقياس النتائج، والأثر الذي ينعكس على حياة الإنسان.
لقد انتقل العالم خلال نصف قرن من سؤال: كم ننتج؟ إلى سؤال: كيف نحسن حياة الإنسان؟ ثم إلى سؤال: كيف نحقق التنمية دون استنزاف الموارد؟ واليوم، ومع اقتراب عام 2030، يطرح سؤالًا جديدًا: كيف نجعل التنمية سببًا في تجدد الطبيعة وازدهارها؟ وربما تكون الإجابة عن هذا السؤال هي التي سترسم ملامح التنمية في العقود المقبلة.
ولعل الرسالة الأهم التي يبعث بها المنتدى هذا العام هي أن الاستدامة لا تُقاس بما نقوله، ولا بعدد المبادرات التي نعلنها، وإنما بما يتغير على أرض الواقع. فالتنمية الحقيقية هي التي تترك أثرًا إيجابيًا في الإنسان، وتحافظ على الموارد، وتبني مستقبلًا أكثر ازدهارًا وعدالة للأجيال القادمة.
ويكتسب المنتدى هذا العام أهمية استثنائية، إذ يأتي قبل أربع سنوات فقط من الموعد المحدد لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، في وقت تشير فيه التقارير الدولية إلى أن العالم أحرز تقدمًا في بعض المجالات، لكنه لا يزال يواجه تحديات كبيرة في تحقيق العديد من الأهداف. ولذلك سيركز المنتدى على خمسة ملفات تمثل ركائز التنمية الحديثة، هي: المياه النظيفة والصرف الصحي، والطاقة النظيفة، والصناعة والابتكار والبنية التحتية، والمدن والمجتمعات المستدامة، والشراكات لتحقيق الأهداف.
وتشارك المملكة العربية السعودية في المنتدى بوفد يرأسه معالي وزير الاقتصاد والتخطيط، حيث ستقدم المراجعة الوطنية الطوعية الثالثة للمملكة، بعد تقريري عامي 2018 و2023، مستعرضةً ما تحقق من تقدم في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، وأبرز التحديات، وأولويات المرحلة المقبلة، بمشاركة أكثر من 140 جهة من القطاع الحكومي، والقطاع الخاص، والجامعات، ومنظمات المجتمع المدني، والشركاء الدوليين.
وقد يتساءل البعض: لماذا تُسمى هذه المراجعة 'طوعية'؟ وهل يعني ذلك أن أهداف التنمية المستدامة غير ملزمة أو قليلة الأهمية؟ والحقيقة أن وصفها بالطوعية لا يعني أنها اختيارية أو غير ذات قيمة، بل يعني أن الأمم المتحدة لا تُلزم الدول قانونيًا بتقديمها، احترامًا لسيادة الدول واختلاف ظروفها التنموية. ومع ذلك، أصبحت هذه المراجعات تمثل معيارًا دوليًا للشفافية والمساءلة، وفرصة لتبادل الخبرات، واستعراض الإنجازات، وتحديد الفجوات، وتحسين الأداء، حتى باتت كثير من الدول تحرص على تقديمها بصورة دورية.
غير أن أهمية المنتدى لا تكمن في الكلمات التي تُلقى أو البيانات التي تصدر، وإنما في التحول العميق الذي شهده مفهوم التنمية نفسه خلال العقود الخمسة الماضية. ففي الماضي، كان نجاح الدول يُقاس بمعدلات النمو الاقتصادي وحجم الناتج المحلي الإجمالي، ثم اتسع المفهوم ليشمل التنمية البشرية وتحسين نوعية الحياة، قبل أن يتبلور مفهوم التنمية المستدامة لأول مرة في (تقرير برونتلاند) 'مستقبلنا المشترك' الصادر عام 1987، الذي أكد أن تلبية احتياجات الحاضر يجب ألا تكون على حساب قدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها.
ومنذ ذلك الحين شهد العالم سلسلة من المحطات المفصلية؛ فقد اعتمد مؤتمر قمة الأرض في ريو دي جانيرو عام 1992 مفهوم التنمية المستدامة أساسًا لـ أجندة 21 بوصفها خطة عمل عالمية لتحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، وحماية البيئة. ثم جاء مؤتمر جوهانسبرغ عام 2002 لينقل الاهتمام من الاتفاق على المبادئ إلى التركيز على التنفيذ، تلاه مؤتمر ريو+20 عام 2012 الذي مهد لاعتماد أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر عام 2015، لتصبح الإطار العالمي الذي تسترشد به الدول في رسم سياساتها التنموية.
ولم يقتصر التطور على المفهوم وحده، بل امتد إلى آليات الحوكمة الدولية. فقد انتقل العالم من لجنة التنمية المستدامة إلى المنتدى السياسي الرفيع المستوى، ومن التركيز على إعداد الخطط إلى التركيز على قياس النتائج والأثر. فلم تعد التنمية المستدامة مجرد رؤية أو مجموعة من المبادرات، بل أصبحت منظومة متكاملة للتخطيط، والتنفيذ، والقياس، والتحسين المستمر.
وانعكس هذا التحول أيضًا على طبيعة المشاركة الوطنية. ففي المراحل الأولى كان ملف التنمية المستدامة يُنظر إليه باعتباره ملفًا بيئيًا، ولذلك كانت الجهات البيئية تقود المشاركة في الاجتماعات الدولية. أما اليوم، فقد أصبحت التنمية المستدامة إطارًا وطنيًا شاملًا يرتبط بالتخطيط الاقتصادي، والسياسات العامة، والاستثمار، وجودة الحياة، والابتكار، والحوكمة. ولهذا انتقلت مسؤولية قيادة هذا الملف في كثير من الدول، ومنها المملكة العربية السعودية، إلى الجهات المعنية بالتخطيط والتنمية الاقتصادية، في دلالة واضحة على أن التنمية المستدامة لم تعد قضية بيئية فحسب، بل أصبحت مشروعًا وطنيًا متكاملًا.
وفي المملكة، يتجسد هذا التحول في مواءمة رؤية السعودية 2030 مع أهداف التنمية المستدامة، وفي اتساع دائرة المشاركة لتشمل مختلف الوزارات والهيئات، والقطاع الخاص، والجامعات، والقطاع غير الربحي. ولم تعد المشاركة في المنتدى مجرد عرض للمبادرات، بل أصبحت فرصة لقياس أثر السياسات الوطنية، وتحديد أولويات المرحلة المقبلة، والاستفادة من أفضل الممارسات الدولية. كما يعكس إطلاق مبادرة السعودية الخضراء، والتوسع في برامج الطاقة المتجددة، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد، والاقتصاد الدائري للكربون، هذا التحول نحو دمج الاستدامة في السياسات التنموية والاقتصادية للمملكة. وتمثل المراجعات الوطنية الطوعية التي قدمتها المملكة أعوام 2018 و2023، ويُستكمل مسارها في مراجعة 2026، نموذجًا عمليًا لترسيخ ثقافة الشفافية وقياس الأثر الفعلي للسياسات على جودة حياة الإنسان.
ولعل أهم ما يميز دورة المنتدى لهذا العام أنها تركز على قضايا تمس حياة الناس بصورة مباشرة؛ فالمياه، والطاقة، والبنية التحتية، والمدن المستدامة، ليست شعارات دولية، وإنما عناصر أساسية لجودة الحياة، وتعزيز التنافسية، وتحقيق الأمن المائي والغذائي، وتحسين البيئة الحضرية، ودعم النمو الاقتصادي.
ومع اقتراب عام 2030، يبدو واضحًا أن العالم بدأ ينتقل إلى مرحلة جديدة في التفكير التنموي. فلم يعد السؤال: كم ننتج؟ ولا حتى: كيف نحقق التنمية؟ بل أصبح: كيف نحول التنمية إلى نتائج قابلة للقياس؟ وكيف نجعلها أكثر قدرة على استعادة الموارد الطبيعية وتعزيز ازدهار الإنسان والطبيعة معًا؟
وقد شهد مفهوم التنمية المستدامة تطورًا ملحوظًا منذ ظهوره في ثمانينيات القرن الماضي. ففي البداية كان التركيز منصبًا على تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة، ثم توسع المفهوم تدريجيًا ليصبح إطارًا شاملًا يدمج العدالة الاجتماعية، والحوكمة الرشيدة، والابتكار، والتحول الرقمي، والاقتصاد الأخضر، والاقتصاد الدائري، والطاقة المتجددة، والتمويل المستدام، وتعزيز قدرة المجتمعات على مواجهة التغير المناخي والأزمات العالمية.
واليوم، تتجه بوصلة الفكر التنموي نحو مرحلة أكثر تقدمًا ترتكز على ثلاثة تحولات رئيسة؛ أولها أن التنمية المستدامة أصبحت الغاية الإستراتيجية، بينما يمثل الاقتصاد الأخضر النموذج الاقتصادي لتحقيقها، وتُعد الإدارة البيئية الأداة التنفيذية التي تضمن حسن التطبيق وقياس الأداء. أما التحول الثاني فيتمثل في التوسع في توظيف الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي لإدارة الموارد الطبيعية، ورفع كفاءة الطاقة، ودعم الوصول إلى الحياد الكربوني. ويتمثل التحول الثالث في بروز مفهوم التنمية بإعادة التجديد (Regenerative Development)، الذي يتجاوز فكرة الحد من الضرر إلى تحقيق أثر إيجابي يعيد بناء النظم البيئية، ويعزز قدرتها على التجدد، بحيث تصبح البيئة بعد تنفيذ المشروع أفضل مما كانت عليه قبله.
إن المنتدى السياسي الرفيع المستوى ليس مجرد اجتماع سنوي للأمم المتحدة، بل هو مرآة تعكس تطور الفكر التنموي العالمي. فبعد أن كان الاهتمام منصبًا على إعداد الخطط، أصبح التركيز اليوم على جودة التنفيذ، وقياس النتائج، والأثر الذي ينعكس على حياة الإنسان.
لقد انتقل العالم خلال نصف قرن من سؤال: كم ننتج؟ إلى سؤال: كيف نحسن حياة الإنسان؟ ثم إلى سؤال: كيف نحقق التنمية دون استنزاف الموارد؟ واليوم، ومع اقتراب عام 2030، يطرح سؤالًا جديدًا: كيف نجعل التنمية سببًا في تجدد الطبيعة وازدهارها؟ وربما تكون الإجابة عن هذا السؤال هي التي سترسم ملامح التنمية في العقود المقبلة.
ولعل الرسالة الأهم التي يبعث بها المنتدى هذا العام هي أن الاستدامة لا تُقاس بما نقوله، ولا بعدد المبادرات التي نعلنها، وإنما بما يتغير على أرض الواقع. فالتنمية الحقيقية هي التي تترك أثرًا إيجابيًا في الإنسان، وتحافظ على الموارد، وتبني مستقبلًا أكثر ازدهارًا وعدالة للأجيال القادمة.