كتاب

«رحلة في فكر عبدالله دحلان»

الدكتور عبدالله صادق دحلان؛ شخصية ثرية تغري الكُتَّاب بالحفر والتنقيب عن الكنوز العلمية والإنسانية والفكرية التي تمثل أبعاداً عميقة في شخصية دحلان، كذلك مشاريعه الثقافية والعلمية والإنسانية التي تفجِّر طاقة الوعي بهذه الشخصية الاستثنائية في مجتمعنا العلمي والثقافي والإنساني.
قبل أشهر عديدة دعيت للمشاركة في ندوة عن مشروع عبدالله دحلان الثقافي، نظمتها البروف أمل التميمي، وحشدت لها أسماء لمست عن قرب مبادراته العظيمة لدعم الثقافة في كل تنوعها.

اليوم بين يدي كتاب قيم بعنوان: «رحلة في فكر عبدالله دحلان»، وعناوين فرعية: «من الاقتصاد إلى الانسان»، «حين يتحول الفكر إلى حياة»، قراءة الأستاذ جمال بنون.
يقول في مقدمة الكتاب: «هذا الكتاب لا يقدم د. عبدالله دحلان كشخصية عامة فحسب، بل كحالة فكرية تستحق القراءة.. حالة تجمع بين التجربة والكتابة، بين القرار والرأي، بين الاقتصاد بوصفه نشاطاً، والتنمية بوصفها رؤية». كما يؤكد على أن: «الكتاب لا يدعي الإحاطة، فالعقول التي تمتد لعقود من التجربة لا تختصرها صفحات، لكنه يسعى إلى الاقتراب.. إلى الفهم.. إلى إعادة طرح السؤال بصيغة مختلفة: كيف يفكر الدكتور عبدالله دحلان؟».

الكتاب ليس سيرة ذاتية تقليدية كما جاء في تقديم أ. د. مدني علاقي.. «ولا مجرد جمع لمقالات، بل هو رصد وقراءة تحليلية لتجربة ومسارات دحلان». الكتاب يضم ثمانية فصول تضمنت: أثر النشأة والتعليم والمجتمع في التكوين، التفكير من داخل الدولة بوصفها نقطة انطلاق. وتندرج تحته عدد من المقالات، كذلك بقية الفصول. ولأن المقال محدود الكلمات، لذلك لا يستطيع استعراض الكتاب بفصوله، لكنه يمكن أن يُمثِّل احتفاءً بالكِتَاب والكَاتِب، والاحتفاء دوماً وأبداً بشخصية الدكتور عبدالله دحلان.
ما يلفت في قراءة جمال بنون أنها لا تقف عند حدود الإعجاب بالشخصية، ولا تكتفي بتسجيل المآثر، بل تحاول أن تفتح نافذة على طريقة التفكير ذاتها؛ كيف تتشكل الفكرة عند دحلان؟ وكيف تنتقل من التأمل إلى المبادرة، ومن الرأي إلى الفعل، ومن الاقتصاد باعتباره علماً للأرقام إلى التنمية باعتبارها انحيازاً للإنسان؟. وهذه المسافة بين الفكرة والحياة هي، في ظني، أكثر ما يمنح الكِتَاب قيمته؛ لأنه لا يقرأ التجربة بوصفها نجاحاً فردياً فحسب، وإنما بوصفها نموذجاً في تحويل المعرفة إلى مسؤولية عامة.
ولعل عنوان الكتاب الفرعي: «من الاقتصاد إلى الإنسان» يلخص هذه الرحلة ببلاغة؛ فدحلان، كما يظهر من خلال القراءة، لا ينظر إلى الاقتصاد كمعادلات جامدة أو مؤشرات صامتة، بل كطريق إلى بناء الإنسان وتمكينه، وكأداة لإنتاج الفرص وتوسيع دوائر المشاركة. هنا يصبح التعليم مشروعاً تنموياً، والثقافة استثماراً في الوعي، والعمل الاجتماعي امتداداً طبيعياً لفكرة المواطنة الحية. ومن هذه الزاوية نستطيع أن نفهم تعدد مبادراته؛ فهي ليست تشتتاً في الاهتمامات، بل وحدة في الرؤية تتخذ وجوهاً متعددة.
أما جمال بنون فيبدو في هذا العمل قارئاً قريباً من موضوعه، لكنه لا يفقد مسافة التأمل. يكتب بلغة سلسة، ويجمع بين حس الصحافي الذي يعرف قيمة التفاصيل، وحس الباحث الذي يبحث عن الخيط الناظم بين الوقائع. ولذلك فإن الكتاب لا يقدّم دحلان بوصفه اسماً حاضراً في مشهدنا الاقتصادي والثقافي فقط، بل بوصفه عقلية عمل؛ عقلية تؤمن أن الفكرة لا تكتمل إلا حين تلامس الناس، وأن المشروع لا يستحق اسمه؛ إلا إذا ترك أثراً قابلاً للنمو في المجتمع.
إن أهمية هذا الكتاب أنه يذكّرنا بحاجة المكتبة العربية إلى كتب تقرأ الشخصيات المؤثرة قراءة فكرية لا دعائية، وتتعامل مع التجارب الناجحة بوصفها مادة للتعلم، لا مجرد مادة للمديح. فالشخصيات التي تصنع أثراً في التعليم والاقتصاد والثقافة والعمل العام؛ تحتاج إلى من يقرأ مساراتها، ويفكك أسئلتها، ويعيد تقديمها للأجيال الجديدة باعتبارها خبرة قابلة للتأمل والاستلهام.
لذلك أرى أن «رحلة في فكر عبدالله دحلان» ليس كتاباً عن رجل واحد، بقدر ما هو كتاب عن معنى الأثر، وعن العلاقة العميقة بين المعرفة والمسؤولية، وبين الحلم والعمل. تحية لجمال بنون على هذه القراءة الوفية والواعية، وتحية للدكتور عبدالله دحلان الذي ظل، وما يزال، نموذجاً للشخصية التي تجعل من الفكر طاقة حياة، ومن النجاح مساحة عطاء، ومن التجربة الفردية باباً واسعاً لخدمة المجتمع والإنسان.

أخبار ذات صلة

رُخْـص المهــور
بين جمهوريتين
(ابن زويبن).. وذاكرة تستحق أن تُحفظ
زفاف إلى الجنان.. بإذن الرحمن
;
كيف تتآكل القوة الناعمة للدول؟
حين تذبل رسالة الجامعة
السعودية تفتح أبوابها للعالم.. أهلا بمن جاءنا محبًا
الاستثمار في الإنسان.. قيمة واستدامة
;
أزمة الدافعية الأكاديمية
نقلة نوعية.. تُعزز جودة الحياة بنجران
صعوبة تفاهم الدولة.. مع كيان اللا دولة
نِعَــــــم
;
الطلب الفجائي والاستثمار.. وإدارة الاقتصاد
القصد والتفسير
حين يقودك الترند.. إلى حيث لا تريد
الخليج بين حماية الملاحة ومنع الحرب