كتاب

كاوست.. جدارة الاستحقاق لا التحيز

أثناء وجودي بمحطة قطار مطار الملك عبدالعزيز بجدة، استوقفني فيلم تعريفي لجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست)، يبرز مكانتها المتقدمة في عدد من المؤشرات والتصنيفات العلمية والإنجازات. وبينما كنت أتابع العرض، عاد إلى ذهني سؤال يتردد كثيرًا في الأخبار: لماذا تتجه العديد من الجهات الحكومية والشركات الكبرى إلى كاوست عند حاجتها إلى الدراسات المتقدمة، أو الشراكات البحثية، أو الحلول التقنية؟ وهل يمثل ذلك نوعًا من التحيز لجامعة بعينها؟
في تقديري، تكمن الإجابة في مفهوم بسيط: فالمؤسسات تبحث عادة عن الجدارة والقدرة على الإنجاز، لا عن الأسماء وحدها.

فكاوست لم تبنِ مكانتها من خلال التاريخ الطويل أو أعداد الخريجين، بل من خلال نموذج مختلف يقوم على البحث العلمي والابتكار. فهي جامعة للدراسات العليا والبحوث في المقام الأول، مما جعل معظم مواردها وجهودها موجهة نحو إنتاج المعرفة وتطوير الحلول العلمية في مجالات حيوية، مثل الطاقة، والمياه، والبيئة، والتقنيات المتقدمة.
ولذلك، لم يكن مستغربًا أن تحقق حضورًا لافتًا في مؤشرات التأثير البحثي العالمية. فالقضية ليست عدد الأبحاث المنشورة فحسب، بل مدى تأثير هذه الأبحاث، واستشهاد الباحثين بها، والاستفادة منها في تطوير المعرفة والتقنية.

كما استثمرت كاوست، منذ تأسيسها، في بنية تحتية بحثية متقدمة تضم مختبرات متخصصة، ومراكز علمية، وحواسيب فائقة الأداء، الأمر الذي وفر بيئة جاذبة للباحثين المتميزين من داخل المملكة وخارجها.
ولعل أحد أهم عناصر نجاحها هو قدرتها على الجمع بين الكفاءات السعودية والخبرات الدولية في بيئة بحثية واحدة. فهذا التفاعل اليومي بين العقول والخبرات المختلفة يخلق بيئة خصبة للابتكار، ويزيد من فرص إنتاج حلول علمية ذات أثر حقيقي.
ومن الجوانب المهمة كذلك أن كاوست لم تكتفِ بإنتاج الأبحاث العلمية، بل سعت إلى ربط البحث باحتياجات الاقتصاد الوطني والصناعة وريادة الأعمال. فالمعيار الحقيقي لنجاح الجامعات الحديثة لم يعد يقتصر على عدد الأوراق العلمية المنشورة، وإنما يمتد إلى قدرتها على تحويل المعرفة إلى تطبيقات، وتقنيات، وشركات ناشئة، وشراكات تسهم في معالجة التحديات الوطنية، وتعزز الاقتصاد القائم على المعرفة.
لكن نجاح كاوست لا ينبغي أن يُفهم على أنه تقليل من مكانة الجامعات السعودية الأخرى، فلكل جامعة رسالتها ومجالات تميزها. والسؤال الأهم ليس: لماذا كاوست؟ بل: كيف يمكن لبقية الجامعات أن تعزز قدراتها البحثية وشراكاتها العلمية، لتصبح هي الأخرى الخيار الأول للمؤسسات في مجالات تخصصها؟ وهل يكفي أن تكون الجامعة مؤسسة تعليمية، أم أن عليها أيضًا أن تكون شريكًا فاعلًا في التنمية، والاقتصاد، وإنتاج المعرفة؟
إن لجوء المؤسسات إلى كاوست ليس دليلًا على التحيز، بقدر ما هو انعكاس لقدرتها على تقديم قيمة مضافة واضحة. وربما تكمن أهمية هذه التجربة في أنها تذكرنا بأن السمعة الأكاديمية لا تُبنى بالشعارات، أو المباني، أو التاريخ وحده، بل بالقدرة على إنتاج المعرفة، وتحويلها إلى أثر ملموس يخدم المجتمع، والاقتصاد، والوطن.

أخبار ذات صلة

أيُّها الأمينُ: اجعلها رخاءً وبلاش شِدَّة!!
أفراح وخراب بيوت!!
البالون لا يكبر وحده!!
شبيهة «الخلية» ليست «خلقًا» من العدم!!
;
حلمك ينتظر شجاعتك
شاهين - إكس
رُخْـص المهــور
«رحلة في فكر عبدالله دحلان»
;
بين جمهوريتين
(ابن زويبن).. وذاكرة تستحق أن تُحفظ
زفاف إلى الجنان.. بإذن الرحمن
كيف تتآكل القوة الناعمة للدول؟
;
حين تذبل رسالة الجامعة
السعودية تفتح أبوابها للعالم.. أهلا بمن جاءنا محبًا
الاستثمار في الإنسان.. قيمة واستدامة
أزمة الدافعية الأكاديمية