كتاب

البالون لا يكبر وحده!!

البالونُ لا يكبرُ وحده، يحتاجُ إلى مََن ينفخُ فيه، وكذلك كثيرٌ من الأحداث في حياتنا، تبدأ صغيرةً، محدودةً، واضحةَ الملامحِ، ثمَّ تجد مَن يضيفُ إليها كلمةً، وآخرَ يضيفُ احتمالًا، وثالثٌ يزيِّنها بتوقُّع، ورابعٌ يُقسمُ أنَّه يملكُ المعلومة الكاملة، فلا تلبث أنْ تغادر حجمها الطبيعيَّ، وتتحوَّل إلى قصَّة يتداولها الجميعُ، رغم أن أصلها لا يتجاوز دقائقَ معدودةً أو موقفًا عابرًا.
هذه العادة ليست جديدةً، لكنَّها اتَّسعت مع سرعة تداول الأخبار، وكثرة المجالس، ووسائل التَّواصل. بعض النَّاس لا يشعرُ بقيمة الخبر إلَّا إذا خرج أكبر من حقيقتهِ، وكأنَّ التفاصيل البسيطة لا تكفي، فيضيف إليها من عندهِ ما يلفت الانتباه، وما إنْ تصل الرُّواية إلى شخصٍ آخرَ، حتَّى يضيف هو الآخر جزءًا جديدًا، فتغدو الحقيقةُ آخرَ ما يبحث عنه النَّاسُ.

أكثر ما يلفت الانتباه، أنَّ صاحب هذا الأسلوب لا يقصد الكذب في كثيرٍ من الأحيان، وإنَّما يظنُّ أنَّه يقرأ ما بين السطور، ويستبق الأحداث، ويفهم ما لا يفهمه غيرُه، ومع تكرار هذا السُّلوك، يختلط التحليلُ بالتَّخمين، والمعلومة بالرَّأي، واليقين بالاحتمال، فلا يعود السَّامع قادرًا على التَّمييز بين الخبر، وما أُلصق به.
ومع كلِّ حدثٍ إقليميٍّ أو دوليٍّ، تخرج موجة جديدة من التَّفسيرات، يتحدَّث أحدُهم في السياسة، ثمَّ ينتقل إلى الاقتصاد، وبعد دقائق يشرح التحرُّكات العسكريَّة، وكأنَّه عاش تفاصيل الغُرف المغلقة، الملفَّات الكبرى لا يديرُها هذا القدر من البساطة، وأهل الاختصاص أنفسهم يتريَّثُون قبل إطلاق الأحكام، فكيف بمَن يستند إلى رسالة مجهولة، أو مقطع متداول؟

ونحن في المملكة ننعمُ -بفضل الله- بالأمن والاستقرار، ثمَّ بما تنتهجه قيادتنا الرَّشيدة من حكمة وبُعد نظر في إدارة الملفَّات والقضايا، وسط محيط لا يخلو من التحدِّيات، الاطمئنان لا يعني الغفلة، ومتابعة الأخبار لا تعني الانسياق خلف كلِّ رُواية، والثقة لا تعني تجاهل الأسباب، وإنَّما تعني أنْ يكون العقلُ حاضرًا، وأنْ تبقى الكلمةُ مسؤولةً.
وفي بيئة العمل تتكرَّر الصورة ذاتًها، يصل مدير جديد، فتبدأ قائمة طويلة من التوقُّعات، هذا يؤكِّد وجود تغييرات واسعة، وآخرُ يتحدَّث عن نقل إدارات، وثالثٌ يجزم بإعفاءات مرتقبة، ورابعٌ يحدِّد أسماء المستفيدِين والمتضرِّرِين، تمضي الأيام فتذوبُ تلك الروايات، وكأنَّها لم تكن، ويبقى أثرها في نفوس مَن صدَّقها.
حتى في الجانب الصحيِّ، قد يشعر الإنسانُ بألمٍ بسيطٍ، فيقضي ساعاتٍ طويلةً يتنقل بين المقاطع والمواقع وتجارب الآخرين، ثمَّ يخرج مقتنعًا بأنَّه يحملُ أخطر الأمراض، قبل أنْ يستشير طبيبًا، أو يُجري فحصًا، هنا لا يكون الألم هو المشكلة، وإنَّما الخوف الذي تضخَّم حتى غطَّى على كلِّ شيء.
ووسائل التَّواصل منحت هذا السلوك مساحةً أوسعَ، لم تعد الشائعة تحتاج إلى مجلسٍ كبيرٍ، يكفي هاتف ورسالة وإعادة إرسال؛ لتصل إلى مئات الأشخاص في دقائقَ، الأخطر من ناقل الخبر، مَن يضيفُ إليه: «وصلتنِي من مصدر موثوق»، أو «أحد المسؤولين أكَّد لي»!! وهو يعلم أنَّ ما يقوله لا يستندُ إلى دليلٍ.
لهذا جاء التَّوجيه النبويُّ جامعًا مانعًا: «كَفَى بِالمَرءِ كَذِبًا أنْ يُحدِّثَ بِكلِّ مَا سَمِعَ» كلماتٌ قليلةٌ، لو جعلها النَّاسُ منهجًا؛ لاختفى جزءٌ كبيرٌ من القلق الذي يملأ المجالس، ولتراجعت مساحة الإشاعات، ولحافظ المجتمعُ على هدوئه واتزانه.
المؤمنُ يعيشُ مطمئنَ القلبِ؛ لأنَّه يعلمُ أنَّ تدبير الأمور بيدِ الله -سبحانه وتعالى-، وأنَّ مَا قدَّره اللهُ واقعٌ لا محالةَ، قالَ تعَالَى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا﴾، هذه الطمأنينة لا تدعُو إلى ترك الأسباب، وإنَّما تدعو إلى التثبُّت، وسؤال أهل الاختصاصِ، وإغلاق الباب أمام الظُّنونِ التي لا تزيدُ النَّاسَ إلا قلقًا.
هناك فرق كبير بين إنسان ينقل الحقيقة كما هي، وإنسان يبحث عن الإثارة، الأول يطمئن الناس، والثاني ينفخ في البالون حتى يخشى الجميع صوت انفجاره، مع أن ما بداخله لم يكن سوى هواء.
* نقطة تحت السطر:
ليسَ كلُّ حدثِ يحتاجُ إلى مَن ينفخُ فيهِ.. فكثيرٌ مِن البالوناتِ التِي أخافتِ النَّاسَ، لمْ يكنْ بداخلِهَا سِوَى هواءِ الكلامِ.

أخبار ذات صلة

أيُّها الأمينُ: اجعلها رخاءً وبلاش شِدَّة!!
أفراح وخراب بيوت!!
كاوست.. جدارة الاستحقاق لا التحيز
شبيهة «الخلية» ليست «خلقًا» من العدم!!
;
حلمك ينتظر شجاعتك
شاهين - إكس
رُخْـص المهــور
«رحلة في فكر عبدالله دحلان»
;
بين جمهوريتين
(ابن زويبن).. وذاكرة تستحق أن تُحفظ
زفاف إلى الجنان.. بإذن الرحمن
كيف تتآكل القوة الناعمة للدول؟
;
حين تذبل رسالة الجامعة
السعودية تفتح أبوابها للعالم.. أهلا بمن جاءنا محبًا
الاستثمار في الإنسان.. قيمة واستدامة
أزمة الدافعية الأكاديمية