Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. بكري معتوق عساس

هل انتهى عصر الجامعات التقليدية؟

A A
لم تعد الجامعاتُ اليوم، تواجه منافسةً من جامعة أُخْرى، بل تواجهُ منافِسًا لا ينامُ، ولا يتعبُ، إنَّه الذكاءُ الاصطناعيُّ، الذي أعاد طرحَ سؤالٍ جوهريٍّ: ما وظيفةُ الجامعةِ في عصرٍ أصبحت فيه المعرفةُ متاحةً بضغطةِ زرٍ؟
يرَى كثيرٌ من الباحثين أنَّ الأزمة التي تواجه الجامعات لم تبدأ مع الذكاء الاصطناعيِّ، بل سبقته بسنواتٍ طويلةٍ، نتيجة ارتفاع تكاليف الدِّراسة، وتراجع التَّعليم الإنسانيِّ، وتحوُّل بعض الجامعات إلى مؤسَّسات تركِّز على إنتاج الشِّهادات أكثر من إنتاج العقول. وجاء الذكاءُ الاصطناعيُّ؛ ليكشفَ هذه الأزمة، ويجعل تجاهلها أمرًا مستحيلًا.
فلم يعد الأستاذُ الجامعيُّ المصدر الوحيد للمعرفة، وأصبح الطالبُ قادرًا على الوصول إلى المعلومة، وصياغة التقارير والبحوث في دقائقَ. ومن هنا لم يعد السُّؤال: كيف نمنعُ استخدام الذكاءِ الاصطناعيِّ؟ بل كيف نعيدُ تصميم التَّعليم بحيث يستفيدُ منه دونَ أنْ يفقدَ أصالتَهُ؟
لقد بدأت جامعاتٌ عالميَّةٌ مثل: هارفارد، وأكسفورد، وكامبريدج، وستانفورد، ومعهد ماساتشوستس للتَّقنية في مراجعة أساليب التدريس والتقويم، مع زيادة الاعتماد على المناقشات الشفهيَّة، والمشروعات التطبيقيَّة، والعروض الحضوريَّة، والدِّفاع عن الأفكار؛ لأنَّ القيمة أصبحت في طريقة التَّفكير لا في النصِّ المكتوب وحده.
ومن المتوقَّع أنْ يتغيَّر دور الأستاذِ الجامعيِّ من ناقلٍ للمعلومات، إلى مرشدٍ فكريٍّ، ومدرِّبٍ على التَّفكير النقديِّ والإبداعيِّ، يساعد الطلبة على تحليل المعلومات، والتحقُّق من صحَّة مخرجات الذكاء الاصطناعيِّ، واتِّخاذ القرارات في البيئات المعقَّدة.
كما أنَّ البحث العلميَّ سيتأثَّر بصورةٍ إيجابيَّة إذا أُحْسِن توظيف الذكاءِ الاصطناعيِّ؛ إذ يمكنه تسريع مراجعة الأدبيَّات، وتحليل البيانات، واقتراح الفرضيَّات، بينما تبقى مسؤوليَّة الباحث في الابتكار والتَّفسير والحُكم العلميِّ والأخلاقيِّ.
ولذلك فإنَّ الجامعة التي ستنجحُ في المستقبل، هي التي تركِّز على بناء الإنسان، وتنمية مهارات التَّفكير النقديِّ، والاتِّصال، والعمل الجماعيِّ، والقيادة، والتعلُّم مدى الحياة، وهي المهارات التي لا يمكن اختزالها في شهادةٍ، أو امتحانٍ تقليديٍّ.
إنَّ الجامعة لن تختفي، لكنَّها ستتغيَّر جذريًّا. فالجامعة في عصر الذكاءِ الاصطناعيِّ لن تكون مصنعًا للشهادات، بل مدرسة لصناعة العقول، وحاضنة للإبداع، ومختبرًا للأفكار، ومنارة للحكمة. وستبقى رسالتها الحقيقيَّة إعداد الإنسان القادر على التَّمييز بين المعرفة والمعلومة، وبين الذكاء والحكمة، وبين امتلاك التقنية وحُسنِ توظيفها.
إنَّ السؤال الحقيقيَّ لم يعد: هل سينهي الذكاءُ الاصطناعيُّ الجامعاتِ؟ بل: أيُّ الجامعاتِ ستكون قادرةً على إعادة اكتشاف رسالتها؛ لتقود المستقبل بدلًا من أنْ تلحق بهِ؟
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store