"كم راتبك؟" جملةٌ عابرةٌ في مجلسٍ عائليٍّ، أو سؤالٌ يلقيه صديقٌ وهو يبتسم، أو قريبٌ يعتقدُ أنَّه يمارس حقًّا منحه له "العَشَم"، لكنَّ السؤال لا يقفُ دائمًا عند حدود الكلمات، بل يمتدُّ أحيانًا إلى ما يتركه في النَّفس من شعورٍ بأنَّ هناك مَن يرى حياته الخاصَّة ملكًا مشاعًا، يحقُّ للجميع الاقتراب منها، والاستفسار عنها، بل والحُكم عليها.
لا خلاف على أنَّ دفء العلاقات الإنسانيَّة هي أكثر ما يميِّز المجتمع السعودي، مجتمع يعرفُ النَّاس فيه بعضهم بعضًا، وتظلُّ صِلة الرَّحم والجِيرة والصَّداقة قيمةً راسخةً لا ينازعها أحدٌ، غير أنَّ هذا الدفء نفسه قد يتحوَّل -دونَ قصدٍ- إلى مساحةٍ يختلط فيها الاهتمامُ بالتدخُّلِ، والمحبَّة بالوصايةِ، والعَشَم بتجاوز الحدود.
كانت الأسئلة الشخصيَّة على مدار سنوات طويلة جزءًا من المشهد الاجتماعيِّ: متى الزَّواج؟ لماذا لم تنجبُوا بعد؟ كم بلغ راتبك؟ لماذا تركت عملك؟ متى ستشتري منزلًا؟، أسئلة اعتاد النَّاسُ سماعها وأصبحت طبيعيَّة، رغم أنَّ كثيرين كانُوا يغادرُون المجالس وهم يحملُون من ضيقها أكثرَ ممَّا حملُوا من بهجتها.
المفارقة أنَّ السائل -في الغالب- لا يقصد الإساءة، بينما المتلقِّي قد يشعر بأنَّه مطالب بتبرير حياته بأكملها، وهنا تبدأ المشكلة، فليست كلُّ الضغوط تأتي بصوتٍ مرتفعٍ، وبعضها يصلُ إلينا في هيئة سؤال بريءٍ يتكرَّر حتى يتحوَّل إلى عبءٍ نفسيٍّ.
لقد تغيَّر العالم من حولنا، وتغيَّر معه مفهوم الخصوصيَّة، لم يعد الإنسان يقيسُ نضجه بقدر ما يكشفه عن حياته، بل بقدر ما يعرف كيف يحمي مساحته الشخصيَّة، وأصبح الجيل الجديد أكثر إدراكًا أنَّ الخصوصيَّة ليست ترفًا، ولا تقليدًا مستوردًا، ولا انسحابًا من المجتمع، وإنَّما حقٌّ أصيل يحفظ للإنسان استقلال قراراته، وهدوءه النَّفسي، ومن الإنصاف أنْ نعترفَ بأنَّ هذا التحوُّل لا يعكس قطيعة بين الأجيال، بل يعكس اختلافًا في تعريف الاحترام، ومعنى "العَشَم".
لم تعد الخصوصيَّة مجرَّد قيمة اجتماعيَّة، وإنِّما أصبحت قيمةً يحميها النظامُ أيضًا، ففي زمن الهواتف الذكيَّة، والمنصات الرقميَّة، لم يعد تجاوز الحدود يقتصر على السؤال المباشر، بل امتدَّ إلى تصوير الآخرين دون إذنهم، أو نشر أخبارهم، أو تداول معلوماتهم الشخصيَّة، أو استخدام صورهم في غير ما أذنوا به، وهي ممارسات قد تتجاوز حدود الذَّوق إلى نطاق المساءلة النظاميَّة متى انطوت على انتهاك للخصوصيَّة، أو تشهير، أو ابتزاز، وهذا التطوُّر يعكس رسالةً مهمَّةً، أنَّ كرامة الإنسان تبدأ من احترام حدوده، سواء في المجلس، أو في الفضاء الرقميِّ.
الموضوع طويل ومتشعِّب.. لكن من المهم أنْ نعيد تعريف معنى "العَشَم".. فالعشم الحقيقي ليس أنْ أقتحم أبوابك المغلقة، بل أنْ أطرق الباب، وأنتظر أنْ تفتحه إنْ شئت، وليس أنْ أطالبك بالإجابة عن كل سؤال، بل أنْ أحترم حقك في الاحتفاظ ببعض الإجابات لنفسك.


