من المقولات الجميلة، أنَّ الشاطر يتعلَّم من تجاربه، والأشطر منه يتعلَّم من تجارب الآخرين. ومن الغرائب أنْ تفوت على العالم بأكمله معلومات تغيِّر مفاهيم راسخة في السلم والحرب، وبالذَّات في الصراعات المسلَّحة. أشير هنا إلى تغيُّرات أساسيَّة في مفهوم السيطرة العسكريَّة، فاتت على الكثيرين في إحدى الحروب المنسية، وهي حرب «ناغورنو كاراباخ» بين أذربيجان وأرمينيا. تشير الكلمتان إلى منطقة جبليَّة مساحتها أصغر قليلًا من مساحة محافظة جدة. وتقع رسميًّا ضمن دولة أذربيجان، رغم أنَّ معظم سكانها تاريخيًّا من الأرمن؛ لذلك دارت حولها ثلاث حروب أساسيَّة: الأولى عام 1988، والثانية عام 2020، والثالثة في سبتمبر 2023. كانت هذه حروبًا، وليست مجرَّد مناورات أو صراعات عسكريَّة متفرقة بين البلدين؛ فقد راح ضحيتها أكثر من ثلاثين ألف إنسان، وتشرَّد ونزح أكثر من سبعمئة ألف إنسان. وباختصار، كانت بسبب مخلَّفات ثقافية وعرقية؛ لأن البلدين كانا ضمن الاتحاد السوفيتي، الذي انتهى في 26 ديسمبر 1991. ترك حاكم السوفييت جوزف ستالين «دنبوشي» محترمًا للصراعات المستقبليَّة بين البلدين، عندما وهب الإقليم لأذربيجان قبل نحو ثمانين سنة.
ومن الغرائب أنَّه عندما نشبت تلك الحروب بين أرمينيا وأذربيجان كانت من الحروب البعيدة عن اهتمامات العالم، فلم تحصل على التغطية الإعلاميَّة اللائقة والكافية، بالرغم من الخسائر الفادحة للطرفين، وبالذات للطرف الأرمني. ولم تتم الاستفادة من الدروس التي أنتجتها الحرب، ومن أهمها الدور المحوري للمسيَّرات في تحقيق التفوق العسكري، وبالذات في حرب 2020. وبدون مبالغة، كانت أول حرب تتألق فيها تلك المركبات كأسلحة دمار إستراتيجية وتكتيكية. وتحديدًا، استفادت أذربيجان من التقنيات التركية المتقدِّمة في مجال المسيَّرات في الرقابة والاتصالات والتصوير والتمويه والضرب المباشر للمدرعات والمنشآت والأفراد. وللعلم، فقد احتلت المسيَّرات التركية مكانة عالمية مرموقة منذ ذلك الوقت، وبالذات مركبة «بيرقدار» التي كسبت شهرة عالمية. ولم تحصل المسيَّرات العسكريَّة على الاهتمام العالمي اللائق إلَّا بعد قيام الحرب الروسيَّة الأوكرانيَّة التي بدأت في 24 فبراير 2022.
تحتل المسيَّرات مكانة مرموقة اليوم في ميادين القتال المختلفة، وبالذات في منظومة القتال الإيرانيَّة الغاشمة. وقد وصلت إلى مرحلة متقدِّمة من التطور، حتى أصبحت مسيَّرة «شاهد 136» ذات شهرة عالميَّة. وقد قلَّدتها إيران أساسًا من تصاميم غربية باستخدام الهندسة العكسيَّة. والغريب أنَّ الولايات المتحدة استخدمت الهندسة العكسيَّة لتقلِّد المسيَّرة الإيرانية المقلَّدة في إنتاج مسيَّرة «لوكاس» الحديثة؛ أي أنَّها عملية تقليد في تقليد في تقليد. وأصبح العالم كله اليوم يعترف بأهميَّة المسيَّرات كإحدى أهم مقوِّمات القتال.
أمنيــــة
كل حرب تأتي بدروس مهمة، ومنها الدور المحوري للمسيَّرات الذي ظهر بقوة في الحرب الأذربيجانية الأرمنية بدون أنْ يترك بصمة إستراتيجية ملموسة. وهناك ما هو أهم من ذلك فأحد أهم الدروس هو الذي يبحث في تفادي الحروب، ونهايتها بطرق تسمح للسلام أن يكون حقيقيًّا ومستدامًا. أتمنَّى أنْ نفلح في الاستفادة من تجارب الحروب لمنفعة البشرية بدلًا من القتل والدمار. والله الهادي إلى سواء السبيل، وهو من وراء القصد.


