تشكِّل العمارة السلمانية نهجًا معماريًّا وعمرانيًّا يجمع بين الأصالة والحداثة، ويستمد من التراث السعودي مبادئه وقيمه، مع توظيف تقنيات البناء المعاصرة. وفي إطار الاحتفاء باليوم الوطنيِّ السادس والتسعين، يبرز دورها في تعزيز الهويَّة الوطنيَّة، من خلال علاقة العمارة بالمكان والإنسان والثقافة.
التعبير عن هوية المجتمعات
يؤكِّد د. مهند مطلق بن تويم الثبيتي، عميد كليَّة العمارة والتخطيط بجامعة الملك سعود، أنَّ العمارة ليست مجرَّد مبانٍ، بل أحد أكثر أشكال الثقافة قدرةً على التعبير عن هويَّة المجتمعات، وحفظ ذاكرة المكان. ومن هذا المنطلق، فإنَّ الهويَّة العمرانيَّة السعوديَّة لا تعني الوصول إلى شكل معماريٍّ ثابتٍ، وإنَّما إيجاد منهج يحافظ على الصِّلة بالمكان، ويتطوَّر في الوقت نفسه لمواكبة المجتمع والمدن المستقبليَّة.
ويرى أنَّ ميثاق الملك سلمان العمرانيِّ يمثِّل إطارًا توجيهيًّا لترسيخ منهج وطنيٍّ للتميُّز العمرانيِّ وتحسين جودة الحياة، بالاستناد إلى الموروث الثقافيِّ والبيئيِّ. وتقوم فلسفته على تكامل ست قيم رئيسة، أبرزها الأصالة والاستمراريَّة ومحوريَّة الإنسان، وملاءمة العيش والابتكار والاستدامة، بحيث لا تتحوَّل الأصالة إلى تكرار للماضي، ولا الابتكار إلى عمارة منفصلة عن سياقها.
ويرتبط الميثاق بتجربة العمارة السلمانيًّة التي تشكَّلت عبر عقود من تطوُّر مدينة الرياض، وجمعت بين احترام الموروث، والاستجابة لمتطلَّبات العصر. ويبرز تطوير منطقة قصر الحكم نموذجًا لهذه التجربة، حيث أسهمت إعادة تأهيل قصر الحكم، وجامع الإمام تركي بن عبدالله والساحات المحيطة في إحياء قلب الرياض التاريخيِّ، مع دمج الذاكرة العمرانيَّة باحتياجات المدينة الحديثة.
ويشير الثبيتي إلى أنَّ الهويَّة العمرانيَّة السعوديَّة أوسع من تجربة الرياض، فالمملكة تزخر بتنوُّع جغرافيٍّ وثقافيٍّ انعكس على عمارتها؛ ففي جدة التاريخيَّة تكشف الرواشين والأزقة المظللة عن حلول للمناخ والخصوصيَّة والتفاعل الاجتماعيِّ، وفي عسير ترتبط العمارة الجبليَّة بالمواد المحليَّة والتضاريس، بينما يرتبط عمران الأحساء بالواحة والماء والنخيل، وتقدِّم نجران نموذجًا للعمارة الطينيَّة التي تجمع بين خصائص المادة المحليَّة والأداء البيئيِّ.
ولا يعني استلهام هذه التجارب، إعادة إنتاج مفرداتها التراثيَّة، بل فهم المبادئ التي شكَّلتها، كالتعامل مع الشمس، والحرارة والظل، والخصوصيَّة، والمقياس الإنسانيِّ، والمواد المتاحة. وعندما تنتقل المعرفة من مستوى الشكل إلى مستوى المبدأ، يصبح التراث مصدرًا لإنتاج عمارة معاصرة، بدلًا من أنْ يكون قالبًا للتقليد. كما تتقاطع هذه المبادئ مع الاستدامة، سواء البيئيَّة من خلال الاستجابة للمناخ والموارد، أو الثقافيَّة عبر الحفاظ على خصوصيَّة المدن وذاكرة المكان.
جزء أصيل من هوية الانسان
من جانبه، يوضِّح د. فوزان محمد الجديعي، الأستاذ المساعد بكليَّة العمارة والتخطيط بجامعة الملك سعود، أنَّ العمارة كانت على مرِّ العصور جزءًا أصيلًا من هويَّة الإنسان، تعكس علاقته بأرضه وقيمه الوطنيَّة والدينيَّة والاجتماعيَّة. ويرى أنَّ العمارة السلمانيَّة، المرتبطة بتجربة الملك سلمان خلال قيادته لإمارة منطقة الرياض، أسهمت في تطوير المدينة مع الحفاظ على هويَّتها وذاكرتها، وهو ما ظهر في مشروعات مثل منطقة قصر الحكم، ومركز الملك عبدالعزيز التاريخيِّ، وحيِّ السفارات.
أمَّا د. قصي محمد عنتيت، الأستاذ المساعد بقسم العمارة وعلوم البناء وسفير ميثاق الملك سلمان العمرانيِّ، فيرى أنَّ العمارة السلمانيَّة توسِّع مفهوم الهويَّة العمرانيَّة من مجرَّد صورة معماريَّة إلى علاقة متكاملة بين الإنسان والمكان وجودة البيئة المبنيَّة. ويؤكِّد أنَّ الميثاق يترجم هذه الرُّؤية من خلال قيمه الست، التي تجعل الإنسان والمناخ والثقافة والبيئة والأنماط الاجتماعيَّة عناصر أساسيَّة في عملية التصميم.
ويربط عنتيت هذه المنظومة برُؤية المملكة 2030، التي تجمع بين الاعتزاز بالهويَّة الوطنيَّة، والإرث الثقافيِّ، وجودة الحياة، والطموح نحو المستقبل. فالمُدن لا تحقق جودة الحياة بالبنية التحتيَّة وحدها، وإنَّما بالشوارع والساحات والأحياء والمباني التي توفِّر الراحة والانتماء والتفاعل الاجتماعيِّ، وتستجيب للمناخ والموارد واحتياجات السكان.
ملامح العمارة السلمانيةالإنسان والمناخ والثقافة والبيئة والأنماط الاجتماعية عناصر أساسية في التصميم.
ميثاق الملك سلمان العمراني يمثل إطارًا توجيهيًّا لترسيخ منهج وطني للتميز العمراني.
الأصالة والاستمرارية ومحورية الإنسان.
ملاءمة العيش والابتكار والاستدامة.
الأصالة لا تتحوَّل إلى تكرار للماضي.
الجمع بين احترام الموروث والاستجابة لمتطلَّبات العصر.
إعادة تأهيل قصر الحكم، وجامع الإمام تركي بن عبدالله، والساحات المحيطة.