حين يحلُّ اليومُ الوطنيُّ السعوديُّ، تتسابقُ الكلماتُ للحديثِ عن الوطن، وتتعدَّد العباراتُ في وصف إنجازاتِه ومكانتِه، لكن هناك معنى أعمق من كلِّ الأرقام والمنجزات، وأصدق من كلِّ العبارات، أنَّ المملكة العربيَّة السعوديَّة وطنٌ يسكنُ القلوبَ. هي بلادُ الحرمَين الشَّريفَين، وقبلةُ المسلمِينَ، ومهوَى أفئدةِ الملايين في مشارقِ الأرض ومغاربها. إليها تهفُو القلوبُ قبل الأجسادِ، وفي رحابها مكَّة المكرَّمة، والمدينة المنوَّرة، مهبطُ الوحيِ، ومهدُ الرسالة. وعلى أرضها قامت دولةٌ جعلت التَّوحيد أساسها، وشرع الله منهجهَا، وخدمة الحرمين شرفهَا، وبناء الإنسان وتنمية المكان مسؤوليتهَا. ومن أعظم نعم الله على هذه البلاد، نعمةُ الأمن والأمان، تلك النعمة التي قد لا يشعرُ بعظمتها إلَّا من فقدها. ففي المملكة يعيشُ المواطنُ والمقيمُ والزائرُ في بيئة يسودها الاستقرارُ، وتُصان فيها الأنفسُ والأموالُ، ويجد الإنسان مساحةً واسعةً للحياة وبناء المستقبل. واللَّافت أنَّ محبَّة المملكة لا تتوقَّف عند حدود مواطنيها، فكم من مقيمٍ عاش سنواتٍ بين أهلها، ثمَّ اضطر إلى مغادرتها، فغادر المكان، وبقي الوطنُ في قلبه. يحملُ معه ذكرياتِه، وأصدقاءَه، وأيامَه الجميلة، ويظلُّ يحنُّ إلى تلك الأرض التي احتضنته وأعطته فرصةً ليصنع حياةً أفضل. وربما كانت العبارة الأكثر تعبيرًا عن ذلك أنْ تسمع من غير سعوديٍّ «ليتني كنتُ سعوديًّا»، ليستْ مجرَّد أمنية عابرة، بل انعكاس لشعور تشكَّل عبر تجربة عاشها الإنسانُ في هذه البلاد. ولم يكن خير المملكة محصورًا في أرضها وأبنائها، فقد امتدَّت أياديها بالعطاء إلى الأشقَّاء، والأصدقاء، والمحتاجين في أنحاء العالم، ففي أوقات الأزمات والكوارث، كانت المملكة حاضرةً بالمساعدةِ والإغاثةِ والمبادراتِ الإنسانيَّة والتنمويَّة، فأصبح خيرها يتجاوز حدودها، وأصبح عطاؤها جزءًا من حضورها وتأثيرها في العالم. وفي الوقت الذي تحافظ فيه المملكة على أصالتها وقيمها، تمضي بثقة نحو المستقبل. مدن تتغيَّر، ومشروعات تتوسَّع، وتقنيات تتطوَّر، وطموح يتجاوز حدود الممكن، إنَّها مسيرة بناء لا تريد أنْ تختار بين الأصالة والحداثة، بل تسعى إلى الجمع بينهما في نموذجٍ يليق بمكانة هذا الوطن. في اليوم الوطني، لا ينبغي أنْ يكون احتفالنا مجرَّد استعادةٍ للذكريات، أو تعدادٍ للمنجزات، وإنَّما مناسبة نستشعرُ فيها مسؤوليتنا تجاه وطنٍ أعطانا الكثير، فحبُّه ليس كلماتٍ تُقال، ولا أعلامًا تُرفع في مناسبة، بل عملٌ وإخلاصٌ، ومحافظةٌ على أمنه، وصيانةٌ لمكتسباته، وتربيةٌ للأجيال على الوفاء والانتماء. نحتفلُ بوطنٍ إذا خرج منه أبناؤه اشتاقُوا إليه، وإذا عاش فيه غيرُ أبنائه تمنُّوا ألَّا يفارقُوه. ارتبط اسمه بالحرمَين، وأصبح أمنه واستقراره نعمةً تتجاوز حدوده، وخيره يصل إلى القريب والبعيد. كلُّ عامٍ والمملكةُ العربيَّةُ السعوديَّةُ وطنًا شامخًا، آمنًا، مزدهرًا، وموطنًا للخير والعطاء.