في أسبوعين مضت، كتبت عن الموظف الذي يخنق المراجع بأعماله، ويربك معاملته، ويتعامل معه بعقلية التعطيل والتصريف، وكأن خدمة الناس ليست جزءًا من وظيفته. واليوم أواصل الحديث في الاتجاه نفسه، ولكن من بوابة أخرى تمس حياة الناس اليومية: البنوك وموظفيها.
ليس كل من يدخل البنك صاحب رصيد ضخم، ولا كل عميل من فئة العملاء المميزين. هناك العميل العادي، وصاحب الدخل المحدود، وصاحب المنشأة الصغيرة، والوافد الذي جاء لإنجاز معاملته، وكل هؤلاء عملاء يستحقون الاحترام وحسن التعامل.
المشكلة أن بعض العملاء يخرجون من بعض الفروع وهم يشعرون أنهم لم يحصلوا على خدمة مصرفية، وإنما خاضوا معركة طويلة مع موظف لا يريد أن يخدمهم؛ تأخير، وتصريف، ولا مبالاة، وتعقيد للإجراءات، وتحويل العميل من موظف إلى آخر، وأحيانًا تعامل يفتقر إلى أبسط قواعد الاحترام المهني.
ولا أتحدث هنا عن جميع موظفي البنوك؛ ففي القطاع المصرفي نماذج متميزة تقدم خدمة راقية، وتتعامل مع العميل باحتراف واحترام. لكن وجود نماذج سيئة في أي مؤسسة خدمية يستحق التوقف عنده؛ لأن الموظف هو في النهاية واجهة البنك وصورته أمام الناس.
وقد يكون من الطبيعي أن تقدم البنوك خدمات أكثر تميزًا للعملاء ذوي الأرصدة والاستثمارات الكبيرة، باعتبارهم يمثلون أهمية اقتصادية وتجارية لها. لكن ذلك لا يعني أن يتحول العميل العادي إلى «عميل من الدرجة الثانية»، أو أن يشعر بأنه أقل قيمة لأنه لا يملك رصيدًا كبيرًا.
فالعميل الذي يملك ألف ريال اليوم، قد يملك مشروعًا بملايين الريالات غدًا، والوافد الذي يفتح حسابًا بسيطًا قد يكون جزءًا من منظومة اقتصادية تسهم في نمو السوق.
وهنا القضية أكبر من معاملة موظف لعميل؛ إنها قضية سمعة مؤسسية.
فالبنك لا يبني سمعته بالإعلانات والشعارات وحدها، ولا بالتطبيقات الحديثة والفروع الفاخرة، وإنما أيضًا من خلال التجربة اليومية التي يعيشها العميل مع الموظف.
وقد يكون لدى البنك أفضل التطبيقات وأجمل الفروع، لكن موظفًا واحدًا سيء التعامل قادر على ترك انطباع سلبي عن المؤسسة بأكملها.
وهنا يأتي السؤال: هل مشكلة الخدمة في بعض البنوك مشكلة موظف، أم مشكلة إدارة؟
الموظف جزء من المشكلة، لكنه ليس كل المشكلة. فالتدريب، وبيئة العمل، والحوافز، والرواتب، وأسلوب الإدارة، ووضوح مؤشرات الأداء، كلها عوامل تؤثر في جودة الخدمة.
لذلك فإن تحسين الخدمة المصرفية لا يبدأ فقط بمحاسبة الموظف، وإنما يبدأ من اختيار الموظف المناسب، وتدريبه، وتحفيزه، وقياس أدائه، ومكافأة المتميز، ومحاسبة المقصر.
كما يجب ألا تتحول التطبيقات الرقمية إلى وسيلة لتعقيد حياة العميل، ولا الفروع إلى أماكن لإنهاء المعاملات فقط، بل إلى بيئة تعكس احترام البنك لعملائه.
نحن أمام عميل أكثر وعيًا، قادر على مقارنة الخدمات ونقل تجربته والتأثير في سمعة المؤسسة خلال دقائق.
ولهذا، فإن البنك الذي يريد المحافظة على عملائه لا يكفيه أن يسأل: كم رصيد العميل؟ بل عليه أن يسأل أيضًا: كيف كانت تجربته معنا؟
فالاحترام ليس مرتبطًا بحجم الحساب، والموظف ليس مجرد منفذ للمعاملة؛ إنه الوجه الذي يرى العميل من خلاله البنك.
وحين نبني ثقافة خدمة حقيقية، ونرفع قيمة الموظف، ونحاسبه على أدائه، ونضع تجربة العميل في مقدمة مؤشرات النجاح، فإننا لا نحسن صورة البنوك فقط، بل نبني ثقافة مهنية تعيد للخدمة معناها الحقيقي: أن تخدم الناس باحترام.. قبل أن تطلب منهم أن يثقوا بك.