شهدت الولايات المتحدة الأسبوع الماضي، زيارة لافتة للرئيس الصينيِّ شي جين بينغ، في واحدةٍ من أهم محطَّات العلاقات بين أكبر اقتصادَين في العالم، ولم تكن أهميَّة الزِّيارة في الملفَّات السياسيَّة والاقتصاديَّة التي حملتها فحسب، بل في مستوى الاستقبال الذي حظي به الرئيسُ الصينيُّ؛ إذ حرص الرئيسُ الأمريكيُّ دونالد ترامب على استقباله شخصيًّا عند وصوله إلى قاعدة أندروز في 23 سبتمبر، في خطوةٍ بروتوكوليَّة نادرةٍ، ضمن زيارة دولة يتضمَّن برنامجها مراسم استقبال رسميَّة في البيت الأبيض، ومباحثات بين الرئيسين، وعشاء دولة.
وجاءت الزيارة بعد أحد عشر عامًا من آخر زيارة دولة قام بها الرئيسُ الصينيُّ إلى واشنطن، وفي وقت تتداخل فيه المنافسةُ والتعاونُ بين البلدين بصورةٍ غير مسبوقةٍ، وعلى طاولة المباحثات حضرت ملفَّات التجارة، والذكاء الاصطناعيِّ، والمعادن النَّادرة، وتايوان، إلى جانب عددٍ من القضايا الدوليَّة، غير أنَّ المشهد في مجمله أعاد طرح سؤال أكبر: كيف يمكن لدولتَين تتنافسان بهذه القوَّة على قيادة الاقتصاد والتكنولوجيا في العالم أنْ تظلَّا، في الوقت نفسه، مرتبطتين ببعضهما إلى هذا الحد؟.
ولعلَّ أحد أكثر أوجه هذه العلاقة إثارةً يظهر في الدَّين الأمريكيِّ نفسه.
فمن مفارقات الاقتصاد العالميِّ أنَّ الصين، المنافس الاقتصاديَّ والإستراتيجيَّ الأكبر للولايات المتحدة، تمتلك في الوقت نفسه مئات المليارات من الدولارات من سندات الخزانة الأمريكيَّة، فهل تموِّل الصين مُنافِستها؟، وهل تستطيع أنْ تستخدم هذه السندات يومًا ما ورقة ضغط اقتصاديَّة على واشنطن؟.
الإجابة تحتاج إلى قراءة الأرقام قبل السياسة.
وفق أحدث بيانات وزارة الخزانة الأمريكيَّة، بلغت حيازة الصين القاريَّة من سندات الخزانة نحو 618 مليار دولار بنهاية يوليو 2026، وهو أدنى مستوى لها منذ عام 2008، مقارنةً بنحو 730.7 مليار دولار في يوليو 2025؛ أي أنَّها خفَّضت حيازتها بنحو 113 مليار دولار خلال عام واحد. كما أنَّها لم تعد أكبر مالكٍ أجنبيٍّ لهذه السندات، بل أصبحت في المرتبة الثالثة بعد اليابان، والمملكة المتحدة، وكانت حيازتها قد تجاوزت 1.3 تريليون دولار في ذروتها عام 2013.
ومن ثمَّ، فإنَّ القول إنَّ الصين اشترت أخيرًا «ديون أمريكا» بمئات المليارات في صفقةٍ واحدةٍ؛ ليس دقيقًا، الأصح أنَّها راكمت على مدى سنوات محفظة كبيرة من السندات الأمريكيَّة، قبل أنْ تتجه تدريجيًّا إلى خفضها، وتنويع احتياطياتها نحو الذهب وأصول وعملات أخرى.
لكنْ لماذا استثمرت الصين أصلًا في ديون دولة تعدها منافستها الرئيسة؟.
السَّبب اقتصادي قبل أنْ يكون سياسيًّا، فقد حققت الصين على مدى عقود فوائض تجاريَّة ضخمة، وتدفقت إليها كميَّات كبيرة من الدولارات مقابل صادراتها، وكان لا بُدَّ من استثمار هذه الأموال في سوق واسعة وآمنة وسهلة التَّداول، ولم تجد بديلًا يضاهي سوق سندات الخزانة الأمريكيَّة من حيث الحجم والسيولة والقدرة على استيعاب مئات المليارات.
كذلك ساعد الاحتفاظ بالأصول الدولاريَّة الصين على إدارة احتياطياتها ودعم استقرار عملتها والحد من ارتفاع قيمتها بصورة تضعف تنافسيَّة صادراتها، ومن هذه الزاوية، لم يكن شراء السندات خدمةً تقدِّمها بكين لواشنطن، بل كان جزءًا من نموذج اقتصاديٍّ صينيٍّ قائم على التصدير وتراكم الاحتياطيات.
أمَّا احتمال استخدام هذه السندات سلاحًا اقتصاديًّا، فهو قائم نظريًّا لكنَّه بالغ الكلفة عمليًّا، فإذا أقدمت الصين على بيع كميَّات ضخمة بصورة مفاجئة، فقد تنخفض أسعار السندات، وترتفع عوائدها، ما يزيد تكلفة الاقتراض الأمريكيِّ مؤقتًا، لكن هذه الخطوة ستلحق الضرر أيضًا بالصين؛ لأنَّها ستخفض قيمة ما يتبقى لديها من سندات، وقد تضعف الدولار وترفع قيمة اليوان، فتتضرر صادراتها إلى الأسواق العالميَّة.
ثمَّ إنَّ سوق الدَّين الأمريكي هو الأعمق في العالم، وتستطيع المؤسَّسات والمستثمرُون داخل الولايات المتحدة وخارجها استيعاب جانب من السندات المعروضة، كما يستطيع الاحتياطي الفيدرالي التدخل إذا تحوَّل البيع إلى تهديد للاستقرار الماليِِّ، ولذلك لا تمنح هذه الحيازة الصين زِرًّا تستطيع بالضغط عليه تعطيل الاقتصاد الأمريكيِّ.
وفي المقابل، لا يعني خفض الصين لمحفظتها أنَّها تخلَّت عن الدولار، أو انفصلت عن الاقتصاد الأمريكي، فالعلاقات التجاريَّة، وسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والأسواق الماليَّة، تجعل الفصل الكامل بين الاقتصادَين أمرًا بالغ الصعوبة، الولايات المتحدة تحتاج إلى السلع، وسلاسل الإنتاج الصينيَّة، والصين تحتاج إلى السوق الأمريكيَّة وإلى نظام ماليٍّ دوليٍّ ما زال الدولار يمثِّل محوره الأساس.
وهنا تكمن الإجابة عن سؤال العنوان: لا الصين تستطيع الاستغناء كليًّا عن أمريكا، ولا أمريكا تستطيع تجاهل الصين، لكن العلاقة بينهما ليست علاقة اعتماد بسيط، بل شبكة معقدة من المصالح والمنافسة والحذر المتبادل.
وتحمل هذه العلاقة المتشابكة دلالة مهمَّة للمملكة العربيَّة السعوديَّة، التي ترتبط بشراكة إستراتيجيَّة راسخة مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تطوِّر علاقاتها الاقتصاديَّة والاستثماريَّة والتقنية مع الصين. فالمملكة، بما تتمتَّع به من ثقلٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ ومكانة محوريَّة في أسواق الطاقة ومجموعة العشرين، لا تنظر إلى التنافس بين القوَّتين بمنطق الاختيار بين طرفين، بل بمنطق تنويع الشراكات وتحقيق المصالح الوطنيَّة، وهذا النهج ينسجم مع رُؤية المملكة 2030 التي تسعى إلى بناء اقتصاد أكثر تنوُّعًا وانفتاحًا، والاستفادة من الفرص التي يتيحها التحوُّل في موازين الاقتصاد العالميِّ، مع الحفاظ على استقلاليَّة القرار السعوديِّ وتوازن علاقاته الدوليَّة.
ولعل مشهد استقبال الرئيس الصيني في واشنطن يختصر طبيعة هذه العلاقة: قوَّتان تتنافسان على المستقبل، وتختلفان في ملفَّات إستراتيجيَّة كُبرى، لكن مصالحهما تفرض عليهما أنْ يجلسا إلى الطاولة ذاتها، فالتنافسُ بينهما حقيقيٌّ، وكذلك الاعتماد المتبادل؛ وبين الاثنين يُرسم جانبٌ مهمٌّ من مستقبل الاقتصاد العالميِّ.