تُعدُّ الأعمالُ المهنيَّةُ والحِرفُ اليدويَّةُ من الركائزِ الأساسية التي تقوم عليها نهضةُ الأمم واستقرار المجتمعات، فهي ليست مجرَّد وسائل للكسب، بل ثقافة إنتاج، وقيم عمل، وصناعة كرامة، واعتماد على الذَّات. وقد أدركت الشعوبُ المتقدِّمة منذ وقت مبكِّر أنَّ ازدهار الأوطان لا يتحقَّق بالشهادات النظريَّة وحدها، وإنَّما بتكامل الفكر مع العمل، والعلم مع المهنة.
وأنا في المرحلة الابتدائيَّة بحي المسفلة في مكَّة المكرَّمة، كنتُ أتأمَّل جيرانَنا في الحيِّ، فأجدُ بينهم النجَّار، والحدَّاد، والطبَّاخ، والبنَّاء، والسمكريَّ، وغيرهم من أصحاب المهنِ اليدويَّة، وكان اللَّافتُ للنَّظر أنَّ معظمهم من السعوديِّين أبناء البلد. ولم يكن أحدٌ منهم يستحيي من عمله، أو يشعر بالنَّقص بسببه، بل كانُوا يعتزُّون بما يقدِّمُونَه من عملٍ متقنٍ، وخدمةٍ نافعةٍ للمجتمع.
بل إنَّ بعض العائلات المكيَّة ارتبط اسمُها بالمهنة التي برعت فيها، فأصبح النَّاسُ يعرفُونَ بيت النجَّار، وبيت الحدَّاد، وبيت الطبَّاخ، وبيت البنَّا، وبيت السمكريِّ، وبيت الحطَّاب، وبيت الفحَّام، وبيت الخيَّاط، وغيرها من الأسماء التي كانت تعكسُ قيمة العمل، ومكانة الحِرفة في المجتمع.
ومع الطَّفرة الاقتصاديَّة التي شهدتها المملكة، وتوافد العمالة من مختلف أنحاء العالم، حتَّى تجاوزت أكثرَ من مئتي جنسيَّة، تحوَّلت بلادنا إلى بيئةِ عملٍ كُبْرى تعلَّم فيها كثيرٌ من الوافدِين المهنَ والخبراتِ، وأسهمُوا بدورِهم في حركة التَّنمية والبناء. وفي المقابل، ابتعدَ بعضُ شبابِنَا عن ممارسة الأعمال المهنيَّة، حتَّى ظنَّ البعضُ -خطأً- أنَّ الشابَّ السعوديَّ لا يستطيعُ خوض هذه المجالات، أو الاعتماد على نفسه.
والحقيقةُ أنَّ الشبابَ السعوديَّ يمتلكُ من الطَّاقات والإبداع والقُدرة على الإنجاز، ما يؤهِّله للنجاح في كلِّ الميادين، متى ما توفَّرت له الثِّقة، والفُرصة، والدَّعم المُناسب. فالعملُ الحُرُّ الشَّريفُ لا ينتقصُ من قدر الإنسان، بل يرفعه ويمنحُه احترامَ الذَّات، والشعور بقيمة العطاء. وقد كانَ أنبياءُ اللهِ -عليهِم السَّلامُ- يعملُونَ في مهنٍ مختلفة؛ فكان منهُم الرَّاعي، والنجَّار، والحدَّاد؛ ليؤكِّدُوا أنَّ العملَ شرفٌ ورسالةُ.
ولعلَّ التجارب العالميَّة خيرُ شاهدٍ على قيمة العمل المهنيِّ في بناء الحضارات. ففي ألمانيا تقومُ النهضةُ الصناعيَّةُ على نظام التَّعليم المهنيِّ والتقنيِّ الذي يربط الدِّراسة بسوق العمل، حتَّى أصبحت الصناعاتُ الألمانيَّة رمزًا للإتقان والجودة. وفي اليابان، يحظى العاملُ والحِرفيُّ باحترامٍ كبيرٍ؛ لأنَّ الثقافة اليابانيَّة ترى أنَّ الإخلاص في أيِّ مهنة هو جزءٌ من خدمة الوطن. أمَّا كوريا الجنوبيَّة فقد استطاعت -خلال عقود قليلة- أنْ تتحوَّل من دولة محدودة المواردِ، إلى قوَّةٍ صناعيَّةٍ عالميَّةٍ، بفضل الاستثمار في الإنسان، وتعظيم قيمة العمل والإنتاج.
كما أنَّ كثيرًا من رجال الأعمال العالميِّين بدأوا حياتهم بمهنٍ بسيطةٍ، وأعمالٍ يدويَّةٍ قبل أنْ يصبحُوا رموزًا للنجاح. فالنجاحُ لا يرتبط بنوع العمل، بقدر ما يرتبط بالإتقان والاجتهاد والطموح.
إنَّ الانخراط في المجالات المهنيَّة والحِرفيَّة يسهمُ في توفير كفاءاتٍ وطنيَّةٍ قادرةٍ على خدمة الوطن، وتقليل الاعتماد على الآخرِين، كما يحقق توازنًا صحيًّا بين أصحاب الفكر والعلم، وأصحاب المِهن والإنتاج، فتتكامل الأدوارُ وتنهض المجتمعاتُ.
وقد جاءت رُؤية المملكة 2030، التي يقودها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله-؛ لتؤكِّد أهميَّة تنويع الاقتصاد، وتمكين الشبابِ، وتعزيز ثقافة العمل والإنتاج والابتكار. ولن تتحقَّق هذه الأهداف الطموحة إلَّا إذا اقتحم شبابنا كل المجالات بثقة، وتحرروا من ثقافة كانت ترى العيب فيما هو في الحقيقة مصدر شرف وكرامة.
إنَّ الأمم لا تُبنى بالأمنيات، بل بسواعد أبنائها، وبالعقول التي تفكِّر، والأيدي التي تعملُ، والإرادة التي تؤمنُ بأنَّ كلَّ مهنةٍ شريفةٍ هي لَبِنةٌ في بناء الوطن ومستقبله.