يمثل القطاع الخاص ركيزةً مهمَّةً في مسيرة التنمية والاقتصاد، بما يقدِّمه من مشروعات وخدمات في شتى المجالات، تسهم في تسهيل حياة الناس، وتلبية احتياجاتهم، وتدفع بعجلة التنمية والازدهار إلى الأمام.
ومن فضل الله تعالى على عباده، أنَّه سخَّر النَّاس بعضهم لبعض، ويتجلَّى ذلك فيما يقدمه البشر من أفكار واختراعات وإمكانات أسهمت في تطوير وسائل النقل والطيران والاتصال والكهرباء والبناء والزراعة وغيرها من المجالات التي يسَّرت حياة الإنسان.
ولا شكَّ أنَّ هذه الأعمال من الأعمال الجليلة التي يُؤجر عليها المؤمنُ خاصَّة لكونها تُجِسِّد معنى إعمار الأرض وخدمة الإنسانيَّة.
قال تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾، وقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾.
وجاء في السُّنَّة النبويَّة قول النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «إنْ قَامَت السَّاعةُ وفِي يدِ أحدِكُم فسيلةٌ، فإنْ استطاعَ ألّا تقومَ حتَّى يغرسُهَا فَليغرِسْهَا»، وقولهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «مَا مِن مسلمٍ يغرسُ غرسًا أو يزرعُ زرعًا فيأكلُ منهُ طيرٌ أو إنسانٌ أو بهيمةٌ إلَّا كانَ لهُ بهِ صَدقَة».
وتؤكِّد هذه النصوصُ على أهميَّة العمل والسعي والاجتهاد والإنتاج، وأنَّ الإنسان مستخلفٌ في الأرض، ومن أشرف مهامِّه بعد عبادة الله تعالى المساهمة في عمارتها وإصلاحها.
ومن أقرب الأمثلة على ذلك ما نشهده اليوم من دور الشركات والمؤسَّسات الخاصَّة في دفع عجلة الاقتصاد، وتوفير الوظائف، وتطوير الخدمات، والمساهمة في بناء الحضارات وتحقيق التنمية المستدامة.
ومع الإشادة بهذه الجهود الكبيرة، فإنَّ المجال لا يزال مفتوحًا للجهات المعنيَّة للمراجعة والتطوير خصوصًا فيما يتعلَّق بساعات العمل في القطاع الخاص تحديدًا. فالأصل أنْ يكون التركيز على الإنتاجيَّة وجودة الإنجاز، لا على مجرد طول مدة البقاء في مقر العمل. ولا خلاف على أهميَّة الوقت والانضباط الوظيفي، ولكن هنالك العديد من الأعمال التي يمكن إنجازها في وقت أقل من الساعات المقرَّرة؛ ممَّا يطرح تساؤلات حول جدوى استمرار بعض الأنظمة التقليديَّة لساعات العمل الطويلة.
إنَّ تقليص ساعات العمل في الوظائف التي تسمح طبيعتها بذلك قد ينعكس إيجابًا على الموظَّف من حيث جودة الحياة والتوازن بين العمل والأسرة، كما قد يسهم في خفض بعض التكاليف التشغيليَّة ورفع مستوى الرِّضا والإنتاجيَّة.
ويبقى السؤالُ الذي يستحقُّ التأمُّل: هل يريد القطاع الخاص ملكيَّة وقت الموظَّف، أم تحقيق أعلى قدرٍ من الإنتاجيَّة؟
فيصل مطلق المقاطي
[email protected]