إذا رأيتَ زوجين دائمَي العِشرة ومستمرَّينِ في حياتِهمَا عشرات السِّنين، فأعلم أنَّ أحدَ أسباب ذلك الاستمرار في بقائِهما مع بعضِهمَا، هو «التنازلات»، وإذَا عرفتَ شراكةً بين تاجرَين استمرَّت شراكتُهمَا عشرات السِّنين، فأعلم أنَّ سببًا من أسباب ذلك الاستمرار، هو «التنازلات»، وإذا شاهدتَ في حياتكَ صديقَين مستمرَّين في علاقتِهمَا وترابطِهمَا عشرات السِّنين، فثقْ تمامًا أنْ ليس وراء بقاءِ صداقتهما إلَّا «التنازلات»، فما المقصود بالتنازلات؟!
التنازلات في العشرة الزوجية، والشراكة التجارية، والصداقة الأخوية، هو تفعيل المرونة في التخلي عن الرأي والحق الشخصي؛ إرضاء للطرف الآخر، وحرصًا على ما يربطهما من رابطٍ، وتحقيقًا لما يجمعهما من مصلحةٍ، فالتنازلُ إذًا ليس من أجل الطرف الآخر فقط، إنَّما من أجل ما يجمعهما من مصلحةٍ.
مرونة التنازل يجبُ أن تكون متبادلةً من الطَّرفين؛ لئلا تؤدِّي الى الشعور بالظُّلم؛ لأنَّه عندما يشعرُ أحد الطَّرفين أنَّه تنازل أكثر ممَّا ينبغي، ولم يلق مقابل ذلك تنازلًا مماثلًا فإنَّ ذلك يقود إلى إلغاء الحياة الزوجيَّة بالطَّلاق، وفض الشراكة بالانفصال، وإنهاء الصداقة بالافتراق، وأضرب مثالًا لدور التنازلات في العلاقات الزوجيَّة، فحاجة الزَّوجين مُلحَّة لتفعيل التنازل بينهما، واعتباره هرمون توثيق الترابط لبقاء زواجهما؛ لأنَّ الزوجين غالبًا ما يكونان مختلفَين في طباعِهما، حيث إنَّ الله -سبحانَه وتعَالَى- لم يخلقهمَا نسخةً بيولوجيَّة متطابقة تمامًا من النَّاحية البدنيَّة والنَّفسيَّة والفكريَّة، فكلُّ واحد منهما له طباعُه النَّفسيَّة، وبصماتُه الشخصيَّة، وهرموناتُه الفسيولوجيَّة، وتصرُّفاتُه الذاتيَّة، بالاضافة -أحيانًا- إلى اختلافهما من النَّواحي الاجتماعيَّة والثقافيَّة المؤصِّلة لحياتهما، والتي تكون خاصَّة بكل واحد منهما، وتشكّل عقليتهما وتفكيرهما وسلوكهما، هذا غير التأثير الخارجيِّ من أصدقائِهما وأقربائِهما؛ ممَّا قد يؤثِّر سلبًا على علاقتهما، كلُّ ذلك يوجب تفعيل التنازل؛ ليدرأ تخاصمهما ودخول الشيطان بينهما، بل يكون التنازل سببًا في بقاء الزَّوجة سكنًا لزوجها، وعاملًا مهمًّا في أنْ يهتم صاحبُ السَّكن (الزَّوج) في سكنهِ، وبما في داخل السَّكن من أبناء وبنات، أخيرًا لا بُدَّ أنْ نفهم أنَّه في التنازلات بين الزَّوجين ليس هناك حدٌّ أدنى وحدٌّ أعلى؛ لان العلاقة بينهما علاقة دائمة لمشروع دائم.