في الماضي، كان التسوُّلُ حرفةً شاقَّةً، تتطلَّب مهاراتٍ دراميَّةً عاليةً، وثوبًا مقطَّعًا بعنايةٍ، ووجهًا شاحبًا يقطرُ حزنًا، يستدرُّ دموعَ المارَّة عند إشارات المُرور. كان متسوِّلُ الأمس، يكدحُ في الشارع؛ ليحصل على بضعة ريالات، ثمَّ يختفي عن الأنظار حياءً أو خجلًا. أمَّا اليوم -وفي عصر الأليافِ البصريَّة- فقد شهدنَا عمليَّةَ تحديثٍ وتطويرٍ لمهنة الشحَّاذِين، حيث انتقل القومُ من الأرصفة إلى الشَّاشات، ومن الثِّياب الرَّثة إلى صالوناتِ التجميلِ.
يطلُّ علينا شحَّاذو اليوم بكامل أناقتهم.. بفيلر يملأُ الخدود، وبراطم منفوخة، وبوتوكس يشدُّ الجبهة، حتَّى تكاد لا تعرفُ إنْ كان يبتسمُ أم يبكِي، وبشعرٍ مصفَّف بكيراتين تتحدَّى الجاذبيَّة. استُبدلت بعبارة «لِلهِ يا محسنِين»، كلمة السِّر الحديثة «تكبيس وشير يا شباب!» فلم يعد الأسلوب يعتمدُ على إثارة الشَّفقة، بل على إثارة الذُّهول من كميَّة السَّخافة المباشرة.. انبطاح أمام الكاميرا على مدار السَّاعة، ومحتوى ساقط، وظهور مقزِّز، واستعراض جَسدِي يبعثُ على الاشمئزاز، وكل هذا الهوان من أجل وردةٍ، أو قفازٍ، أو الفوز الأكبر بالأسد.
الكوميديا السوداء في الأمر، أنَّ متسوِّلَ الأمس، كان يطلبُ القوتَ، بينما متسوِّل التَّكبيس يطلبُ رفاهيةً لا يحلم بها أغلبُ متابعيه. تجده يجلسُ أمام الفلاتر مستجديًا الجمهورَ السَّاذج؛ ليدعمُوه بالتدبيل، وكأنَّ المتابعَ المندهشَ مطالبٌ بتمويلِ بوتوكس المشهور الفارغ، ودفع فاتورة رفاهيَّته!
ولأنَّ السُّوق الرقميَّ لا يفرقُ، فقد اعتقدَ البعضُ أنَّ الابتذالَ محتوى، والإثارةَ تجارةٌ، والفراغَ قابلٌ للتَّسويق.. وهكذا أصبح المشاهدُ من حيث لا يشعرُ شريكًا في صناعة ظاهرةٍ جديدةٍ يكافئُ من خلالها التَّفاهة بالتَّفاعل، ويمنح البث الرديء عمرًا أطول كلَّما زاد بالتَّكبيس والمُشاهدة والمُشاركة.
العجيبُ أنَّ الأمرَ تحوَّل، لدى بعض الفئات، من حالة عابرةٍ إلى نمطِ حياةٍ فلا عمل، ولا إنتاج، ولا مهارة، ولا مشروع، ولا إحساس بالمسؤوليَّة.
إنَّها تجارةُ الهَوان الأنيقِ، حيث أصبحت الكرامةُ بضاعةً تُبَاع بـاللايك، والشِّير، وأصبح الذوقُ العامُّ يُدهَس تحت أقدام البثوثِ المباشرةِ، والمضحكُ المبكِي أنَّ الجمهور المغفَّل يصفِّقُ ويكبسُ ويدفعُ، ثمَّ يتساءل ببراءَةٍ من أين أتى هؤلاء بكلِّ هذه الأموال؟.. أتوْا بها من أصابعِكُم التي لا تتوقَّف عن التكبيس أيُّها المغفَّلُون.!