ربَّما لا نعرفُ أنفسنا جيدًا ونحنُ بين الذين يعرفُونَنا.
في المكان الذي وُلِدنا فيه، تسبقُنا أسماؤنا ومهنُنا وعلاقاتُنا وما يعرفه النَّاسُ عنَّا. أمَّا حين نغادر ذلك كله، ونصل إلى مكانٍ لا يعرفُنا فيه أحدٌ، فإنَّ شيئًا ما يسقط عن أكتافنا. لا أحدَ يعرفُ اسمنا، ولا تاريخنا، ولا ما نملك. نصبح -ببساطة- إنسانًا أمام إنسان. وهنا يبدأ التِّرحال الحقيقيُّ.
قد يجلس المسافرُ في قرية بعيدة، لا يفهم لغةَ أهلها، ولا يعرف شيئًا عن حياتهم. وربَّما لا يستطيع أنْ يبادلهم أكثر من ابتسامة، أو إشارة باليد. ومع ذلك، قد تمتد إليه يد بكوبٍ من القهوة، أو يُدعى إلى مائدةٍ لم يكن ينتظرها.
في تلك اللحظة لا تكون القهوةُ مجرَّد قهوةٍ، ولا الطعامُ مجرَّد طعامٍ. هناك شيء يحدثُ في المسافة القصيرة بين يدٍ تقدِّم ويدٍ تتلقَّى، شيء لا يحتاج إلى ترجمة.
ربَّما لهذا السَّبب، لا يكون أجمل ما في السَّفر دائمًا ما نذهب لرؤيته، بل ما يحدث لنا ونحنُ في الطَّريق.
فالمُدن يمكن تصويرها، والجِبال يمكن وصفَها، والمَعَالم يمكن أنْ نجد صورها قبل أنْ نصل إليها. لكنَّ لقاء إنسانٍ لا يعرفك، ثمَّ يفتح لك شيئًا من عالمه دون أنْ يسألك أولًا عمَّا تستطيع أنْ تقدِّمه له، يترك في الذاكرة أثرًا لا تستطيع الكاميرا أنْ تلتقطه.
نحن نعيش في زمن نعرف فيه عن الآخرين أكثر ممَّا عرفه الإنسانُ في أيِّ وقت مضى. نرى وجوههم، ونقرأ أخبارَهم، ونعرفُ تفاصيل عن بلدان بعيدةٍ قبل أنْ تطأها أقدامُنا. ومع ذلك، لم تختفِِ المسافة بين البشر؛ لأنَّ المعرفة عن الآخر ليست هي معرفة الآخر.
قد نحمل إلى بلد غريب صورةً صنعناها عنه قبل أنْ نصل، ثمَّ نكتشف أنَّ الرجل الذي تصوَّرناه بعيدًا عنا يشبهنا في أشياء كثيرة، يفرح لأسرته، يقلق على أبنائه، يحبُّ أنْ يُحترم، ويعرفُ معنى أنْ يحتاج الإنسان إلى مَن يقف بجانبه. عندها تتراجعُ الخرائطُ قليلًا، ويصبح الإنسان هو الجغرافيا الأهم.
والتِّرحال يفعل شيئًا آخرَ بنا. إنَّه ينتزعُنا -ولو مؤقتًا- من صورتِنا المعتادة عن أنفسنا. في وطننا نعرفُ إلى أين نذهب؟ ومَن نسأل؟ وكيف نتصرَّف؟ أمَّا في المكان الغريب، فقد نحتاج إلى مساعدة شخصٍ لا نعرفه.
أنْ تقول، ولو بعينيك: «لا أعرفُ»، ثمَّ تنتظر من غريب أنْ يساعدك، فيها لحظة من التواضع لا تمنحها لنا الحياة المألوفة بسهولة.
وليس الطريق دائمًا جميلًا. فيه تعب وخوف وضياع وسوء فهم، وربما مواقف نتمنى ألَّا نعيشها. لكن هذه الصعوبات هي التي تجعل التجربة حقيقيَّةً، ففي لحظة الحاجة نكتشف أحيانًا أنَّ يدًا غريبةً يمكن أنْ تكون أقرب إلينا ممَّا ظننا.
وقد يعود المسافر من رحلته محملًا بالصور، لكنه يحتفظ في ذاكرته بصورة لا تظهر في ألبوم الصور: وجه إنسان غريب عامله ذات يوم كما لو أنَّه ليس غريبًا.
عندها يفهم شيئًا بسيطًا: لسنا غرباء بالقدر الذي نتخيَّله. فالغربة قد تصنعها الحدود أكثر ممَّا تصنعها المسافاتُ، وتصنعها مخاوفنا أكثر ممَّا يصنعها اختلافُ البشر.
وربَّما لهذا لا يكون التِّرحال انتقالًا من مكان إلى آخر فقط، بل انتقالًا من فكرة عن العالم، إلى فكرة أخرى. نخرج ونحنُ نظنُّ أنَّ العالم مليءٌ بالغرباء، ثم نعود وقد اكتشفنا أنَّ المسافة بين الإنسان والإنسان أقصر بكثير ممَّا رسمناه في أذهاننا.
وحينها تتغير البوصلة. لا تعود تشير فقط إلى المكان الذي نريد الوصول إليه، بل تشير إلى الإنسان.