رغم أنَّني من المتحمِّسين جدًّا للتقنية؛ إلَّا أنَّ أكثر ما يزعجنِي عند التواصل مع أيِّ جهةٍ خدميَّة، هو الإجبار على التواصل الآليِّ (البارد)، الذي يستقبلك برسالة (معلَّبة)، ثمَّ يطلب منك رفع بلاغ كتابيٍّ، واختيار المشكلة من قائمة لا تحتوي غالبًا على مشكلتك، ثمَّ يمنحك بعدها رقمًا طويلًا، لتشعر بأنَّك أصبحت قريبًا من الحل.. مع أنَّك قد تكون بدأت للتوِّ رحلة البحث عمَّن يفهم ما تقول!.
أعرفُ أنَّ التقنية وُجدت لتقديم حلول تختصر الوقت، وتوقُّف الهدر الماليِّ والبشريِّ، لكنَّها إنْ لم تُستخدم بطريقةٍ صحيحةٍ ومنطقيَّةٍ، تتحوَّل إلى جدارٍ صلبٍ يصنع هدرًا أكبر، فمشكلة صغيرة يمكن لموظِّف أنْ يفهمها ويحلَّها خلال دقائق، قد تستغرقُ أسابيعَ من البلاغاتِ والرُّدودِ الآليَّة المتبادلة، والإغلاقات المتكرِّرة.
قبل أيَّام، قدَّمتُ بلاغًا إلى إحدى الجهات، فطلب منِّي النظام، كتابة اسمي، ورقم هويَّتي، وتاريخ ميلادِي، ورقم جوَّالي، وبريدِي، ووصفًا للمشكلة، وإرفاق ما يثبت! وبعد أنْ أكملت هذا (التحقيق) الذي توقَّعت أنْ يسألني عن وزنِي وطولِي ولون بشرتِي، وصلتنِي رسالة تقولُ: «تمَّ استلام بلاغكم، وسيتمُّ التعامل معه خلال 3 أيَّام عمل».. وبعد أيام، وصلتنِي رسالةٌ أُخْرى «نفيدُكم بأنَّه تمَّ إغلاق بلاغكم بنجاحٍ»، فتهلَّلتُ فرحًا، وظننتُ أنَّ المشكلة حُلَّت، لكنَّني وجدتها ما تزال كما هي، وبكامل عافيتها..! على طريقة المثلِ الشعبيِّ «ابشر لك بولد.. لكنَّه مات»!.
بحثتُ مرَّة أخرى عن رقم للاستفسار فلم أجد، فأعدتُ فتح بلاغ من جديدٍ مضطرًا، فطلب منِّي إدخال البيانات مرَّة أُخْرى، وكالمرَّة الأُولى جاءتني بعد أيَّام رسالة بإغلاق البلاغ، ولكنْ لا شيءَ يتغيَّر في الواقع، وهكذا دخلتُ مع النظام في «حوار طرشان» أنا أرفعُ مشكلتي، وهو يشكرُنِي على التواصل، ثمَّ يغلقُ البلاغ بلا حلٍّ! ولو تحدَّث معي موظَّف لدقيقتين، لفهم مشكلتي، وربما أنهى في تلك الدقيقتين ما استهلك أيامًا من وقتي، ووقت الجهة نفسها.
لستُ ضد استخدام الردِّ الآلي لاستقبال البلاغات وتنظيمها، وأقدّر حجم الضغط الذي تواجهه بعض الجهات، لكن المشكلة تبدأ حين تقيس بعض الجهات نجاح خدمة العملاء بعدد البلاغات التي أُغلقت، لا بعدد المشكلات التي حُلَّت بالفعل.. عندها يتحوَّل إغلاق البلاغ من نتيجة للحلِّ إلى هدفٍ مستقلٍّ بذاته، ويصبح الموظَّفُ حريصًا على تنظيف شاشة النظام من التذاكر المفتوحة، بينما تبقى معظم المشكلات كما هي.. وعلى المتضرِّر اللُّجوء لتذكرة جديدة!.
تكرار إغلاق التذاكر بدعوى المعالجة، واضطرار المستفيد إلى فتحها من جديد، ليس إنجازًا تقنيًّا؛ بل هدرٌ يرتدي ثوبَ الكفاءة.. والمنطقيُّ عند تعذُّر الحل، أو عدم وضوح المشكلة، أنْ تتواصل الجهة مع صاحب البلاغ، أو تمنحه -على الأقل- وسيلة للحديث مع موظَّف، يستطيع أنْ يسمع ويفهم ويتصرَّف.
التقنية الناجحة لا تُبعد المستفيد عن الخدمة التي يحتاجها، بل توصله إليها بأقصر طريق، وإلَّا تحوَّلت من وسيلة لتسهيل الخدمة، إلى حجر عثرة يعوق تنفيذها.