جاءت أوصافُ الإنسان في القرآن الكريم على النحو التَّالي: ظَلومٌ، جَهولٌ، كَفورٌ، يَئوسٌ، جَزوعٌ، مَنوعٌ، هَلوعٌ، عَجولٌ، قَتورٌ، شَحيحٌ، مُجادلٌ، طَاغٍ، خَصيمٌ، وكَنودٌ!
وهي نفسٌ وُصفت بأنَّها أمَّارةٌ بالسُّوء.!
وعلى الجانب الآخر، جاءت السُنَّة النبويَّة لتؤكِّد هذه الطبيعة وتكشف عيوبَها؛ فوُصف الإنسانُ بأنَّه: ضعيفٌ أمامَ الشَّهوات، حريصٌ وشديدُ الطَّمعِ، يشيخُ ويكبرُ ويهرمُ الشحُّ فيه، يتبعُ هواه، وتغلبُه الغَفلةُ، وعُرضةٌ للخطأ والنِّسيان الدَّائم.
ومن جهة الفلاسفة، فقد جرَّدوا هذه النَّفس، ورأوا أنَّ الإنسان في أصله: ذئبٌ لأخيهِ الإنسان، وميالٌ للشرِّ والعدوانِ، والدَّليلُ على ذلك قول المتنبي:
«وَالظُّلمُ مِن شِيَمِ النُّفوسِ فإنْ تجِدْ
ذا عِفَّةٍ فَلِعِلَّةٍ لا يَظْلِمُ»!
فهو أنانيٌ يبحثُ عن مصلحته، وعنيفٌ بطبعه، ومحبٌّ للسيطرة والتملُّك.
بينما جاء علمُ النَّفس الحديث ليؤكِّد أنَّ النَّفس البشريَّة في طبيعتها الأولى: مدفوعةٌ بغرائزَ بدائيَّةٍ عدوانيَّةٍ وجنسيَّةٍ، ومحكومةٌ بالخوفِ والقلقِ، وميَّالةٌ للإنكارِ والهروبِ النَّفسي، وخاضعةٌ للشَّهوة اللَّحظيَّة، والبحث الأنانيِّ عن اللَّذة.
وبعد كلِّ هذه الحقائق والصِّفات، يأتيك أحدُ هؤلاء «المدرعمِين» الذِين أطفأوا نورَ بصيرتَهم وأنوارَ سياراتِهم؛ ليدخل عليكَ بكلِّ وقاحةٍ وعينٍ قويّةٍ ويقولُ لك:
«كُنْ على طبيعتِكَ .. أو خلِّيك طبيعيًّا»!
حسنًا، ماذا بَقِيَ؟
بَقِيَ القولُ: يَا هذا، لو تُرِك البشرُ على طبيعتِهم الجافَّة لتحوَّلت الأرضُ إلى غابةٍ، وفسدت الحياةُ! إنَّ مهمَّة الإنسان الوجوديَّة الكُبرى في هذه الدنيا ليست الاستسلام للغرائز، بل هي جهادُ النَّفس وتغييرُ هذه الطِّباع بالتطبُّع والتَّغيير الحَسن. تعلَّم وافهم فـ»أهلُ الجنَّة هم أهل التطبُّع لا الطبعِ». وما جاءت الأديانُ، والقوانينُ، والأنظمةُ إلَّا لتهذيبِ هذه الطِّباع المتمرِّدة والمعكوسة، ولذلك يقول الرسولُ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- في قفلِ هذا الباب العظيم: «إِنَّمَا العِلْمُ بالتَّعَلُّمِ، وإنَّمَا الحِلْمُ بالتَّحَلُّمِ، ومَنْ يَتَحَرَّ الخَيْرَ يُعْطَهُ، ومَنْ يَتَّقِ الشَّرَّ يُوقَهُ».
وأخيرًا ؛ يقولُ ابنُ المقفع:
«لا تستسلم لطبائع السُّوء فيك، فإنَّه ليس أحدٌ من النَّاس إلَّا وفيه من كلِّ طبيعة سوء غريزة، وإنَّما التفاضلُ بين النَّاس في مُغالبة طبائع السوء».