ماذا تستطيع روسيا أن تقدم لأمن الخليج؟ سؤال يفرض نفسه مع انعقاد الاجتماع الوزاري المشترك التاسع للحوار الاستراتيجي بين دول مجلس التعاون وروسيا في المنامة، في وقت تتعرض فيه المنطقة لتهديدات تطال المدنيين والمنشآت الحيوية والممرات البحرية. وفي مثل هذه الظروف، تتحدد قيمة الشراكات بقدرتها على الإسهام في حماية الاستقرار، وتحويل التفاهمات السياسية إلى نتائج يلمسها الناس في أمنهم وحياتهم.
تنطلق دول الخليج في علاقاتها الدولية من مصالحها الوطنية، وتبني شراكاتها بما يعزز استقلال قرارها ويوسع خياراتها. وعلاقتها بروسيا امتداد لهذا النهج؛ فموسكو قوة دولية ذات حضور سياسي واقتصادي، وعضو دائم في مجلس الأمن، ولها علاقات بأطراف مؤثرة في أزمات المنطقة. ومن الطبيعي أن يكون الحوار معها صريحًا في عرض المخاوف، واضحًا في تحديد ما تنتظره دول المجلس من شركائها.
وفي مقدمة هذه المخاوف، الاعتداءات الإيرانية والحوثية التي تستهدف أمن الخليج، وتعرّض المطارات والمنشآت المدنية وإمدادات الطاقة للخطر. فاستهداف هذه المواقع يمس حياة المواطن والمقيم والمسافر، وتتجاوز آثاره حدود الدولة المعتدى عليها إلى حركة التجارة وكلفة النقل والتأمين واستقرار الأسواق. ولهذا، فإن التعامل معه باعتباره شأنًا محليًا أو خلافًا إقليميًا محدودًا يتجاهل طبيعة التهديد واتساع تداعياته.
لقد أثبت تكرار الاعتداءات أن الإدانة، على أهميتها السياسية، تحتاج إلى إجراءات تمنع تكرار الجريمة. فحين يتصور المعتدي أن كلفة سلوكه محتملة، وأن بوسعه استخدام أمن الآخرين ورقة ضغط، تتراجع فرص الاستقرار. والمطلوب موقف دولي يجعل احترام السيادة وحماية المدنيين التزامًا له تبعات، ويغلق منافذ التسليح والتمويل والتهريب التي تسمح باستمرار الهجمات.
وفي اليمن، تكشف اعتداءات الميليشيا الحوثية الإرهابية خطورة امتلاك جماعة مسلحة خارج سلطة الدولة قدرات تهدد بها جيرانها والملاحة الدولية. وارتباطها بإيران يضيف إلى الأزمة اليمنية بُعدًا إقليميًا، لكنه لا يعفيها من مسؤولية قراراتها وجرائمها. كما لا يجوز تحميل الشعب اليمني مسؤولية سلوك جماعة صادرت مؤسساته وأثقلت معيشته وعرقلت استعادة أمنه.
مصلحة السعودية واليمن تلتقي في قيام دولة يمنية قادرة على حماية مواطنيها وبسط سلطتها، ومنع استخدام أراضيها منصة للاعتداء على الآخرين. ولذلك، ينبغي أن تقترن مواجهة التهديد الحوثي بدعم مؤسسات الدولة اليمنية، وحماية المدنيين، وتيسير وصول المساعدات إليهم. فاستقرار اليمن ركن أساسي في أمن المنطقة.
هنا يأتي السؤال عن الدور الروسي. العلاقة مع طهران تمنح موسكو قنوات اتصال وفرصًا للتأثير، لكنها لا تعني قدرتها على فرض كل ما تريد. ومن الضروري التمييز بين امتلاك النفوذ والاستعداد لاستخدامه؛ فقد ترى روسيا أن بعض مصالحها يقتضي مراعاة إيران، بينما تتطلب شراكتها مع دول الخليج التعامل الجاد مع مخاوفها الأمنية.
وهذا هو الاختبار الحقيقي للحوار: إلى أي مدى تستطيع موسكو توظيف علاقاتها وموقعها الدولي للمساعدة على وقف الاعتداءات؟ ومن المهم أن نميز بين المطالب التي يعرضها الجانب الخليجي، والتعهدات التي يقدمها الجانب الروسي، والنتائج التي تتحقق لاحقًا. فالتفاؤل الدبلوماسي يحتاج إلى متابعة، والشراكة تحتاج إلى مواقف عملية حين يتعرض أمن الشريك للخطر.
ولدى الطرفين مصالح اقتصادية وتجارية واستثمارية تستحق التطوير، لكن استمرار الاضطراب يعرقلها ويرفع كلفتها. ومن ثم، فإن الإسهام في أمن الخليج يحمي فرص التعاون نفسها. ويمكن أن يبدأ ذلك بتنسيق أكثر فاعلية لمنع تدفق الأسلحة إلى الميليشيات، وملاحقة شبكات التهريب، ودعم حماية الملاحة، والضغط لوقف استهداف المنشآت المدنية.
السعودية ماضية في حماية أمنها ومواطنيها والمقيمين على أرضها، كما واجهت إرهاب القاعدة وداعش بثبات. وانفتاحها على الحوار يعكس ثقتها بقدرتها على الجمع بين الدفاع عن مصالحها والعمل من أجل السلام. وعلى الشركاء الدوليين أن يدركوا أن أمن الخليج مسؤولية مشتركة بقدر ما ترتبط به مصالحهم، وأن نجاح الحوار مع روسيا سيُقاس بما يضيفه إلى هذا الأمن، وما يمنعه من اعتداءات جديدة.
@kbatarfi