تضعُ الآيةُ الكريمةُ أمامَ الإنسانِ مرآةً لا يستطيعُ أنْ يهربَ منها، وتسألهُ بهدوءٍ: ماذا تفعلُ اليوم، وقد لا ترَى ثمرتَه إلَّا غدًا؟ وماذا تتركُ خلفَكَ لمَن تحبُّ حين لا تعودُ حاضرًا إلى جوارِهِم؟ فربَّما كان صلاحُك الذي تظنُّه شأنًا يخصُّك وحدَك، أثرًا يمتدُّ إلى أبنائِكَ وربَّما كانت أخلاقُك اليوم، بعضًا من الحصادِ الذي سيعيشُونَه غدًا.
ما نفعلُه اليوم، قد يمتدُّ أثرُه إلى أبنائِنا غدًا، وما نتركه في قلوب النَّاس÷ قد يبقَى أطول ممَّا نظنُّ.. فصلاحُك اليوم، قد يحفظ مَن تحبُّ بعد أنْ تغيبَ عن الحياة.
نؤدِّي أعمالنا ثمَّ نمضي، ولا نعرفُ أين ينتهي أثرُها، ربَّما كلمة طيَّبة نظنُّها عابرةً، موقفٌ بسيطٌ، دعاءٌ نقولُه في الخفاءِ، أو صلاحٌ نحاولُ أنْ نعيشَه بعيدًا عن أعين النَّاس، ثمَّ تكشف لنا الأيامُ أنَّ بعض الخير لا يعود أثره علينا وحدنا.
وبعد نهاية كلِّ يومٍ، أعودُ إلى نفسي لا إلى الآخرِين، وأنا في خضمِّ المسؤوليَّات، أراجعُ نفسي وأسألُ: ماذا فعلتُ أنا؟ وماذا تركتُ خلفِي؟
لا أسألُ كم شخصًا أخطأ بحقِّي؟ ولا كم مرَّة خذلَتنِي الحياةُ؟ فقد علّمتني الحياةُ أنَّ الإنسان لا يستطيعُ التحكُّم في قلوب الآخرين ومواقفهم، لكنَّه يستطيع أنْ يختارَ قلبه هو: ألَّا يتحوَّل ألمه إلى قسوةٍ، وألَّا تجعله الخيبة ظالمًا، ولا يدفعه جرحٌ قديمٌ إلى جرح إنسانِ جديدٍ.
أفكِّر في ابنتي، فأدركُ أنَّني لا أستطيعُ أنْ أكتب لها مستقبلًا بلا ألم، لكنَّني أستطيعُ أنْ أتركَ في داخلِها ما يعينُها على عبورِ الألمِ..
أستطيعُ أنْ أصلحَ نفسي، وأزرعَ فيها ما استطعتُ من الإيمانِ والرَّحمة والكرامة، وأتركُ لها من سيرتِي ما يجعلها حين تكبرُ، تدركُ أنَّ أمَّها حاولت أنْ تكون إنسانةً صالحةً قبل أنْ تكون أُمًّا صالحةً.. ربَّما يكون هذا هو المعنى الأجمل الذي أخرجُ به من كلِّ ما مررتُ به: لا نستطيعُ أنْ نمنح مَن نحبُّ حياةً بلا وجع، لكنَّنا نستطيعُ أنْ نمنحهم أثرًا صالحًا يعينُهم حين يأتي الوجعُ..
لذلك سأظلُّ أراجعُ نفسي، وأتحرَّى خطواتِي؛ لأنَّني لا أريدُ أنْ أكونَ في حياة أحدٍ جرحًا لا يُرَى.. أريدُ ما استطعتُ أنْ أكون أثرًا طيِّبًا يعود نوره ليشرق حياة ابنتي.. فحين تنتهي خطواتُنا من هذه الدُّنيا، لن يبقَى عددُ المرَّات التي انتصرَنا فيها على الآخرِين.. بل سيبقَى عددُ القلوبِ التي لم نكسرهَا، والقلوب التي جبرنَاهَا، والخير الذي تركنَاه بعد رحيلِنا من الحياةِ.