في أولى محاضراتي، أبدأُ دائمًا بالرَّسمة الكلاسيكيَّة: دائرتان، إحداهما داخل الأُخرى. تمثِّل الدائرةُ الأُولى المنظَّمة، بما تضم من إداراتٍ، وموظَّفِين، ومواردَ، وعمليَّاتٍ، وتمثِّل الثَّانية البيئة الأوسع التي تتحرَّك فيها: الأنظمةُ، والقوانينُ، والاقتصادُ، والجغرافيَا، والتحوُّلاتُ التقنيَّةُ، والمنافسُونَ، والموردُونَ. تبدو الرَّسمة بسيطةً، لكنَّها تختصرُ سؤالًا كبيرًا: كيف تعيشُ المنظَّمةُ وتستمرُّ وسط عالمٍ لا يتوقَّف عن التغيُّر؟
تمثِّل هاتان الدائرتَان خريطةً لموقعِ المنظَّمة، وعلاقتها بمحيطها. ومن خلالهما أشرحُ مفهومَين يرتبطَان بقدرةِ المنظَّمة على البقاء والنموِّ: الديناميكيَّة والاتِّساق. فالحياةُ الطويلةُ والصحيَّةُ للمنظَّمات تحتاجُ إلى قراءةٍ مستمرَّةٍ لما يجري داخلها وخارجها، وإلى قراراتٍ تستجيبُ لهذه القراءة.
تعني الديناميكيَّة أنَّ عناصر الدائرتَين في حركةٍ دائمةٍ. تتغيَّر أعمارُ الموظّفين ومهاراتُهم وتطلُّعاتهم، ويغادرُ بعضهم سوق العمل، ويتقدَّم منافسُون، ويتراجع آخرُون. وقد تظهر تقنية تعيد تشكيل طريقة العمل، وتكاليفه، ونتائجه. لا تستطيع المنظمة التحكُّم في كل هذه التحوُّلات، لكن وعيها بها يزيد قدرتها على التكيُّف، ويمنحها فرصة لبناء المرونة والصُّمود، وربما المبادرة وقيادة التَّغيير.
أمَّا الاتساق، فهو أنْ تنسجم الإستراتيجيَّات طويلة المدى، والخطط التشغيليَّة، والقرارات اليوميَّة مع الواقع المحيط. فلا تبقى الإستراتيجيَّة أسيرةَ افتراضات تجاوزها الاقتصادُ، ولا تستمرُّ الإجراءاتُ كأنَّ الأنظمة والتقنيات لم تتغيَّر. والاتِّساق بهذا المعنى مراجعة دائمة للعلاقة بين ما نريده، وما تسمح به الظُّروفُ، وما يمكن أنْ نصنعه فيها.
وبين مراقبة الحركة، والمحافظة على الاتِّساق، تظهر أهميَّة التركيز. فالانتباهُ لكلِّ شيءٍ قد ينتهي بالعجز عن إنجاز أيِّ شيءٍ. والتركيز يشبه تصويب سهم نحو هدف محدد؛ يحتاج إلى وضوح الوجهة، وتقدير المسافة، وضبط القوَّة. كذلك تحتاج المنظَّمة إلى تحديد أولويَّاتها، حتى لا تستنزفَ مواردها في الاستجابة لكلِّ متغيِّر بالقدر نفسه.
لكن ماذا عن الإنسان؟ أليست له أيضًا دائرتَان؟ دائرة داخليَّة تتغيَّر فيها صحتُه، وعمرُه، ومهاراتُه، وحالتُه النفسيَّة، وأخرى خارجيَّة تتحرَّك فيها ظروفُه الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والمهنيَّة؟ وإذا كانت المنظَّمة تحتاجُ إلى المرونة والاتِّساق والتركيز، فالإنسان يحتاج إليها؛ ليحسن إدارة حياتِهِ وطاقتِهِ ووقتِهِ.
هنا يبدأ اقتصادُ الإنسان: أنْ يدرك حدود موارده، ويختار أين يضعها؟ يسأل نفسه: ما الذي تغيَّر في حياتي؟ وما الذي أستطيعُ التَّأثير فيه؟ وأيُّ هدفٍ يستحقُّ جهدي الآن؟ قد تستدعي مرحلة تعلُّم مهارة جديدة، وتحتاج أُخرى إلى تخفيف الأعباء، فيما تتطلَّب ثالثة شجاعةَ تغييرِ المسارِ.
ولا يعني ذلك تحويل الحياة إلى حسابٍ جامدٍ للإنتاج والعائد، فالرَّاحةُ، والعلاقاتُ، والصحَّةُ، والمَعنى، أجزاءٌ من هذا الاقتصاد. وقد يكون القرارُ الأجدى أنْ يتوقَّف الإنسانُ قليلًا، أو يرفض التزامًا جديدًا، أو يعيد توزيع وقته؛ كي يحافظ على قدرته على الاستمرار.
لا نملكُ إيقاف حركة العالم، لكنْ يمكننا تحسين علاقتنا بها: نراقبُ، ونتعلَّمُ، ونراجعُ، ثمَّ نركِّزُ. وكلَّما عرفَ الإنسانُ موضعَه ووجهتَه، أصبحَ أقدرَ على توجيهِ طاقتهِ إلى ما ينفعُه، وصناعة حياة تتَّسعُ للتغيُّر وتحافظ على معناهَا.