هناك لغزٌ لم أستطعْ حلَّه، رغم أنَّني أزعمُ أنَّ لي باعًا طويلًا في فهم الأمور ومُجرياتِها في هذا الزَّمن العجيب!.
واللُّغزُ هُو: لماذا أمريكا وإسرائيل تهدِّدَان إيران بحربٍ ضروسٍ، بينما إيران تهدِّد دُول الخليج بحربٍ مماثلةٍ! وكأنَّ دولَ الخليج هي التي تهدِّدها وليس أمريكا وإسرائيل؟!.
هذا نصفُ اللُّغز، وأمَّا نصفُه الآخرُ فهُو: ألَا تعرفُ أمريكا وإسرائيل مُسبقًا بأنَّ إيران ستُركِّز ردَّها ضدَّ دولِ الخليج؟ فإذا كانتا تعرفَان، وهُما تعرفَان، واللهِ العظيم، فلماذا تمضيَان في طريق الحربِ الأخطرِ في تاريخ المنطقة؟!.
وهنا أحاولُ حلَّ اللُّغز، وأقولُ إنَّ أمريكا وإسرائيل لا تريدَان إضعاف إيران وحدها، ولا مانع لديهما البتَّة أنْ تضعف دول الخليج، خصوصًا إسرائيل التي لديها رغبةٌ دفينةٌ تظهرُ للعلن رُويدًا رُويدًا لتحقيق أهداف بعيدة تصبُّ في مصلحة المشروع الصهيونيِّ الأكبر والخطير!.
بمعنى آخر، هناك سعيٌ أمريكيٌّ وإسرائيليٌّ لإزالة الخطر الإيرانيِّ ضدَّهما، لكنَّ مصالحهما ليست بالضَّرورة متطابقة مع مصالح دول الخليج، الذي يريدُ الأمن والاستقرار والتنمية مع إزالة الخطر الإيرانيِّ، بل وتربط أكبر وأقوى دوله، المملكة العربيَّة السعوديَّة، بين التَّطبيع، وبين إقامة الدَّولة الفلسطينيَّة؛ لأنَّ الإقامة هي السَّبيل الوحيد للأمن والاستقرار والتنمية، ويشارك المملكة في هذا الرَّأي عضوا حلف مكَّة الآخران، وهما تركيا وباكستان.
أمَّا إيران فقد اختارت الردَّ ضدَّ مَن قدَّم إليها الجميل، فتضغط على أمريكا وإسرائيل عبر استهداف دول الخليج، مباشرة منها، أو من ذيولها في اليمن والعراق ولبنان، وهو ردٌّ قبيحٌ للغاية!.
وتجاهل أمريكا وإسرائيل لعواقب الحرب تفتح باب المساءلة السياسيَّة والأخلاقيَّة لهما، خصوصًا لأمريكا التي تقولُ ليل نهار إنَّها صديقة للخليج!.
وأنا أُقِرُّ أنَّني زدتُ اللُّغز غموضًا، لكن هناك فائدة منه، وهي أنَّ أمن الخليج يجب ألَّا يبقى رهينًا لحسابات الآخرِين، وأنَّ دول الخليج بحاجةٍ إلى تعزيز استقلال قرارها الدفاعيِّ، وقدراتها على الردع، بقيادة المملكة العربيَّة السعوديَّة بصفتها القوَّة الأكثر استحقاقًا للثقة والخالية من الأجندات والمؤامرات.
لغزٌ إستراتيجيٌّ أسأل اللهَ أنْ يحلَّه بسلامِ، مع وأدِ أيِّ مصالح أجنبيَّة خبيثة في مهدها المملوء بالحُفر والأشواك.