صحيفة المدينة
كتاب

إذا انقطعت الكابلات.. هل يتوقف العالم؟

إذا انقطعت الكابلات.. هل يتوقف العالم؟
لواء م. علي حسن الزهرانيلواء م. علي حسن الزهراني
دقيقتان قراءة
في أعماق البحار، بعيدًا عن أعين النَّاس، تمتدُّ كابلاتٌ تحملُ جزءًا كبيرًا من حركة الاتِّصالات والبيانات بين دول العالم، وعبر هذه الكابلات تمرُّ رسائلنا ومكالماتُنا، وتُنجَز معاملاتٌ ماليَّةٌ، وتتصل مؤسَّسات بخدمات تعتمدُ عليها في أعمالها اليوميَّة.
ومع ما تشهده المنطقةُ من توتراتٍ يتساءل كثيرُون: ماذا لو تعرَّضت الكابلاتُ البحريَّةُ في الخليج العربيِّ للقطعِ، أو التَّخريبِ؟ وهل يمكن أنْ تتوقَّف حياتُنا الرقميَّة فجأةً؟
إنَّه تساؤلٌ مشروعٌ، فاعتمادُنا على التقنية بات واسعًا وأيُّ اضطرابٍ في الاتِّصالات قد ينعكسُ على الأفراد والأعمال والخدمات.
لكنَّ الإجابة تحتاجُ إلى قدرٍ من الوعي والهدوء، وقطع كابلٍ بحريٍّ لا يعني بالضَّرورة انقطاع الإنترنت بالكامل، فقد تتمكَّن شبكات الاتِّصالات من تحويل حركة البيانات إلى مسارات أُخْرى بحسب حجم الضَّرر، وسعة البدائل المتاحة.
وقد يشعرُ المستخدمُ عند حدوث مثل هذا الانقطاع ببطءٍ في الاتِّصال، أو تأخُّر في الوصول إلى بعض التطبيقات والخدمات، بينما يختلفُ التأثير من دولةٍ إلى أُخْرى، ومن شبكةٍ إلى أُخْرى.
أمَّا إذا تضرَّرت عدَّة كابلات في الوقت نفسه، فقد يزدادُ الضغط على المسارات البديلة، وقد تكون آثار الانقطاع أوسعَ وأطولَ.
وتملكُ المملكةُ العربيَّةُ السعوديَّةُ موقعًا جغرافيًّا يمنحها إمكانات مهمَّة للاتِّصال، إذ تطل على الخليج العربيِّ، والبحر الأحمر، وترتبط أيضًا بمسارات بريَّة ويساعد تنوُّع المسارات على تعزيز مرونة الشبكات، وإنْ كانت القدرة على مواجهة أيِّ انقطاع تعتمد على موقع الضَّرر، وجاهزيَّة البدائل وسعتها.
ولا بُدَّ من التنبيه إلى أنَّ قطع الكابلات لا يعني دائمًا وقوع عملٍ تخريبيٍّ، فقد تتسبَّب مراسي السُّفن، أو أعمال الصَّيد، أو عوامل طبيعيَّة في إلحاق الضَّرر بها، لذلك فإنَّ المسؤوليَّة تقتضي انتظار المعلومات الصَّادرة عن الجهات المختصَّة، وتجنُّب إطلاق الاتِّهامات، أو تداول الشَّائعات.
إنَّ حماية الكابلات البحريَّة أصبحت جزءًا من حماية البنية الأساسيَّة للدول، كما أنَّ تنويع مسارات الاتصال والاستثمار في الشبكات البديلة، ورفع جاهزيَّة الإصلاح، واختبار خطط استمراريَّة الأعمال كلها خطوات تعزِّز القدرة على مواجهة الطوارئ، وتقلل آثارها.
وللمؤسَّسات دورٌ مهمٌّ في التأكُّد من جاهزيَّة خدماتها وخططها البديلة، خاصَّةً في القطاعات التي يعتمد عليها النَّاسُ يوميًّا، كما أنَّ للفرد دورًا يتمثَّل في متابعة المصادر الرسميَّة، وعدم المساهمة في نشر معلومات غير مؤكَّدة قد تزيد القلق دون داعٍٍ.
لقد منحتنا التقنية فرصًا عظيمةً، وجعلت العالم أكثرَ اتِّصالًا، لكنَّها ذكَّرتنا -أيضًا- بأنَّ وراء كل خدمة نستخدمها بنية تحتيَّة تحتاج إلى حمايةٍ ورعايةٍ، واستعدادٍ دائمٍ.
والأمن اليوم لم يعد مقتصرًا على حماية الحدود والمرافق الظَّاهرة، فهناك تحت الماء شرايين رقميَّة تستحقُّ الاهتمام؛ لأنَّها تصلُ بين الإنسان وأعماله، وبين الوطن والعالم.
* ومضة:
قد لا نرَى الكابلاتِ في أعماق البحر، لكنَّنا نرَى أثرَها كلَّ يومٍ في اتِّصالنا وحياتِنا وأعمالِنا.
المزيد من القسم