صحيفة المدينة
كتاب

مصطفى محمود.. وأُنس العابرين

مصطفى محمود.. وأُنس العابرين
د. أيمن بدر كريِّمد. أيمن بدر كريِّم
دقيقتان قراءة
في الذكرى السَّابعة عشرة لرحيل الدكتور (مصطفى محمود)، الذي غادر عالمنا في الحادي والثلاثين من أكتوبر عام 2009، نستعيدُ كلمات تدعونا إلى المعرفة والحريَّة والرَّحمة، كلمات طبيب وكاتب ومُفكِّر، جمع بين العلم والإيمان، وخدمة الإنسان.
دعا (مصطفى محمود) إلى القراءة والانفتاح على الثقافات المختلفة، ورأى في فهم الآخرِين سبيلًا لفهم النَّفس، لكنَّه منح الخلوة مكانتها أيضًا، بوصفها وقفةً نبتعدُ فيها عن الضَّجيج لنسمع أنفسنا، ونراجع اختياراتنا، ونميِّز رغباتنا الحقيقيَّة ممَّا نُلاحقه طلبًا للقبولِ، أو خوفًا من الرَّفضِ. وقد وصفها بأنَّها «طوق النجاة وقارب الإنقاذ» لإنسانٍ أرهقته «متاهات الكذبِ والتَّزييفِ».
ويضعنا تأمُّله في الموت أمام حدود امتلاكنا: «ولو كنَّا نملك أنفسنا حقيقةً لما كان هناك موت». فالحياةُ هبةٌ محدودةٌ، والموتُ يكشف هشاشة سلطاننا على ما نظنُّه ملكًا لنا. ومن هنا يتَّضح قوله: «أفضِّلُ أنْ أعيشَ حياةً صغيرةً أملكُهَا، على أنْ أعيشَ حياةً كبيرةً تملكُنٍي». فالدَّعوة هنا إلى حماية حريَّتنا من نجاحٍ يستعبدنا، ومكاسبَ تستنزفُ العمر بدلًا من أنْ تُغنيه.
وتقترنُ الحريَّة لديه بمسؤوليَّة المعرفة: «لنْ تكون متديِّنًا إلَّا بالعلمِ.. فاللهُ لا يُعبَد بالجَهلِ». فالإيمانُ لا يعفينا من التعلُّم والأخذ بالأسباب، ولا يجعل التمنِّي بديلًا عن السَّعي.
وفي حديثه عن المحبَّة، يرى في جَمَال الوجوهِ، وحنان القلوب تجلِِّيات للعطاءِ الإلهيِّ؛ فتغدُو مواهبنا وصفاتنا نعمًا تستحقُّ الشُّكر، لا أسبابًا للتَّعالي. وحين يقولُ: «قيمةُ الإنسان هي ما يُضيفه إلى الحياةِ بين ميلادِهِ وموتِهِ»، ينقلُ معيار القيمة من الشُّهرة والمكاسب؛ إلى العمل النافع، والأثر الباقي، مهما اضطربت موازين المجتمع.
وتبلغ هذه المعاني ذروتها في قولِهِ: «إنَّما يُخلق الإنسانُ ليُولد وحدَه.. ويموتًُ وحدَه.. ويشيخُ وحده.. ويمرضُ وحدَه.. ويتألَّمُ وحدًه.. ويُكابدُ وحدَه.. ويلقَى اللهَ وحدَه.. ولا نملكُ أكثر من أنْ نُهوِّن على بعضنا الطَّريق». فمحدوديَّة قدرتنا لا تُسقط رحمتنا، فلا نُلغي ألم المريض، لكنَّنا نُؤنسه، ولا نمحُو حزن الفاقد، لكنَّنا نُصغي إليه.
رَحِمً اللهُ العَارفَ باللهِ (مصطفى محمود)، فالرُّحماءُ أوتادُ الدُّنيا، وبتراحمِهم تتماسكُ الحياةُ، ويجدُ المُتعَبُون فيها متَّسعًا للأملِ، فالأرضُ لا تعمَّر بكثرةِ ساكنِيها وحدها، بل بما يتبادلُونَه من رفقٍ يحفظُ للإنسان كرامَته، وللحياةِ رُوحهَا.
المزيد من القسم