صحيفة المدينة
كتاب

أثرياء العالم.. والمسؤولية الاجتماعية

أثرياء العالم.. والمسؤولية الاجتماعية
د. عبدالله صادق دحلاند. عبدالله صادق دحلان
4 دقائق قراءة
لم تعد ثروات كبار الأغنياء في العالم مجرَّد أرقام تتصدَّر قوائم الثروة، بل أصبحت لدى كثيرين منهم وسيلة للمشاركة في معالجة قضايا تمسُّ حياة النَّاس، من التَّعليم والصحَّة، إلى الفقر والبحث العلميِّ. فالثروة، في نهاية الأمر، لا تُقَاس بما يملكه الإنسانُ وحده، بل بما يتركه من أثرٍ في حياة الآخرين.
وخلال العقود الماضية، تغيَّر شكل العمل الخيري، فلم يعد محصورًا في التبرُّعات الموسميَّة، والمساعدات المباشرة، بل اتَّجه إلى تأسيس مؤسَّسات وأوقاف، وتمويل الجامعات والمستشفيات، ودعم الأبحاث وبرامج التنمية البشريَّة، وهذا التحوُّل يمنح العطاء فرصةً لصنع أثر أطول أمدًا، ويجعل منه رافدًا مهمًّا لجهود الحكومات في مواجهة التحدِّيات الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة.
وتكشف الأرقام عن اتِّساع هذا الدور، فقد بلغ إجمالي التبرُّعات الخيريَّة في الولايات المتحدة نحو 592.5 مليار دولار عام 2024، شملت تبرُّعات الأفراد والمؤسَّسات والشركات والوصايا، ولا تخصُّ هذه الأرقام أصحاب المليارات وحدهم، لكنَّها تظهر حجم العمل الخيري بوصفه نشاطًا اقتصاديًّا واجتماعيَّا واسعًا.
كما شهد العالم مبادرات تشجِّع أصحاب الثروات الكبيرة على تخصيص الجزء الأكبر من أموالهم للأعمال الخيريَّة، خلال حياتهم، أو عبر وصاياهم، وقد انضمَّ إلى إحدى هذه المبادرات أكثر من 250 من الأثرياء والمُحسنين من 31 دولةً، وفق بياناتها المنشورة في مايو 2026، والتعهُّد فيها طوعيٌّ، ولا يعني أنَّ الأموال المُعلن عنها صُرفت بالفعل؛ لكنَّه يعكس اتِّساع النقاش حول مسؤوليَّة أصحاب الثروات تجاه مجتمعاتهم.
وتقدِّم التجارب الدوليَّة صورًا متنوِّعة لهذا العطاء، فهناك مؤسَّسات توجِّه مواردها إلى مكافحة الأمراض، وتحسين الرِّعاية الصحيَّة والتَّعليم، وأُخرى تمنح الجامعات والمنظَّمات المجتمعيَّة تمويلًا مرنًا يساعدها على تحديد أولويَّاتها، وبناء قدراتها، كما تتَّجه بعض المبادرات إلى دعم المُدن والصحَّة العامَّة والبيئة والثقافة، مستفيدةً من البيانات والشراكات لتقييم النتائج، وتكشف هذه النماذج أنَّ الأثر لا يرتبط بحجم المبلغ وحده، بل بكيفيَّة إدارته، واستمراره، ومدى استجابته لحاجات النَّاس.
ويظل التعليم من أكثر المجالات جدوى للاستثمار الاجتماعيِّ، فالمنحة التي تتيح لطالب متفوِّق إكمال دراسته، قد تغيِّر مسار حياته وحياة أسرته، كما أنَّ إنشاء مدرسة أو جامعة أو مركز للتدريب المهنيِّ يفتح فرصًا جديدةً أمام أجيال متعاقبة، لذلك، فإنَّ دعم التَّعليم ليس مساعدةً عابرةً، بل استثمارٌ في قدرة المجتمع على الإنتاج والابتكار، وتحسين فرص العمل.
وفي المملكة، يستند العطاء إلى إرث أصيل من الزكاة والصدقة، والوقف والتكافل. وقد أسهمت الأوقاف عبر تاريخنا في رعاية الفقراء، وطلاب العلم، وخدمة المساجد والمستشفيات، واليوم تتطوَّر أدوات العمل غير الربحيِّ، مستفيدة من التنظيم والتقنية، وبما ينسجم مع مستهدََفات رُؤية المملكة 2030 التي تسعى إلى رفع مساهمة القطاع غير الربحيِّ في الناتج المحليِّ الإجماليِّ إلى 5%.
وتجاوز عدد المنظَّمات غير الربحيَّة في المملكة 7200 منظمةٍ بنهاية عام 2025، فيما بلغ عدد المتطوِّعين 1.7 مليون، ووصلت مساهمة القطاع في الناتج المحليِّ إلى 1.4%، وفق بيانات المركز الوطنيِّ لتنمية القطاع غير الربحيِّ. كما تجاوزت التبرُّعات عبر منصَّة «إحسان» 14 مليار ريال منذ إطلاقها وحتى فبراير 2026. وتعكس هذه المؤشِّرات ثقافة عطاء راسخة، وبيئة أكثر استعدادًا لتحويل التبرُّعات إلى مشروعات ذات أثر مستدام.
ومن هنا تبرز فرصة لتعزيز دور رجال الأعمال، والأسر التجاريَّة في إنشاء أوقاف ومؤسَّسات متخصِّصة؛ في التَّعليم، والصحَّة، والبحث العلميِّ، وتأهيل الشباب، ورعاية الأيتام، والأسر محدودة الدَّخل. ويمكن أنْ تدعم ذلك مبادرة وطنيَّة تطوعيَّة بعنوان «ثروات من أجل مستقبل الأجيال»، تشجِّع أصحاب الثروات على تخصيص جزءٍ من أموالهم، أو أرباح شركاتهم لهذه المجالات، ضمن أطرٍ واضحةٍ للحوكمة والشفافيَّة.
وينبغي ألَّا يُقَاس نجاح هذه المبادرات بقيمة ما يُعلن عنه فقط، بل بما تحقِّقه على أرض الواقع: طالبٌ أكملَ تعليمه، ومريضٌ حصل على العلاج، وشابٌّ وجد فرصة عمل، وأسرةٌ تحسَّنت ظروفها. كما أنَّ المسؤوليَّة الاجتماعيَّة لا ينبغي أنْ تتحوَّل إلى دعاية، بل إلى التزامٍ جادٍّ ومكمِّلٍ لدور الدولة، يعلن بوضوح عن أهدافه ونتائجه.
ومن المفيد -أيضًا- توسيع مفهوم العطاء؛ ليشمل مجالات جديدة. فهل يمكن زيادة إسهام الأفراد، ورجال الأعمال في برامج المسؤوليَّة الاجتماعيَّة؟ وهل يمكن ربط بعض الفعاليَّات الترفيهيَّة والموسيقيَّة بمبادرات مجتمعيّة، عبر تخصيص نسبة من عوائد بيع التذاكر لدعم تعليم الأيتام، ورعاية الأشخاص ذوي الإعاقة، ومساندة المتضرِّرين من الكوارث، وتمويل الجمعيَّات الخيريَّة؟..
إنَّ مثل هذه الشراكات، إذا نُظِّمت بشفافيَّة، قد تفتح موارد إضافيَّة، وتقرِّب العمل المجتمعي من شرائح أوسع.
قد تنتقل الثروة إلى الورثة، أو تتغيَّر قيمتها مع تقلُّبات الأسواق، لكن الوقف الذي يخدم العلم والإنسان، يستطيع أنْ يستمر أثره أجيالًا. وأجمل ما يتركه الأثرياء لأوطانهم ليس المال وحده، بل إنسانًا متعلِّمًا، ومريضًا استعاد عافيته، وشابًّا وجد طريقَه إلى المستقبل، فالعطاءُ المستدامُ هو ما يبقى أثرُه بعد أنْ يغيب صاحبُه.
المزيد من القسم