هل يحكم تركيا اليوم «إسلاميون»؟ إذا كان الأمر كذلك، كما هو شائع، هل هناك علاقةٌ، في رؤيتهم السياسية، بين السياسة الخارجية و»الإسلام»؟ إذا كانت العلاقة موجودة، كما يعتقد كثيرون، ماهي القيم والمحددات «الإسلامية» التي صَدَرت وتَصدُرُ عنها السياسةُ الخارجية التركية، فيما يتعلق بسوريا وثورتها؟ وهل كان هناك ثمة تقديمٌ وتأخير لأولويات تلك القيم والمحددات، أو تغييرٌ فيها، خلال خمس سنوات ونصف من عمر الثورة السورية، من أيام اجتياح النظام لحماة، مروراً بإعادة العلاقات مع كلٍ من روسيا وإيران وإسرائيل، وصولاً إلى «سقوط» حلب في يد نظام الأسد؟

تتكاثر هذه الأيام الدعوات إلى استخلاص الدروس والعبر من المشهد الأليم في حلب، خاصةً في صفوف الإسلاميين، والسوريين منهم تحديداً. لكن الأسئلة الكبرى المذكورة أعلاه تبدو غائبةً عن الصورة، الظاهرة على الأقل. يحصل هذا رغم أن لدى هؤلاء أسئلةً أخرى، تبقى مدفونةً في الصدور، لأسباب معروفة. والحقيقة أن الوضع الراهن لايصيبهم هم فقط بحرجٍ كبيرٍ جداً، وإنما هو حرجٌ يتجاوزهم إلى دوائر واسعة من العرب والمسلمين. لنا أن نتخيل، مثلاً، ماكان يُمكن أن يُقال لو أن أي دولةٍ عربيةٍ أو إسلامية أخرى بادرت إلى إقامة علاقات سياسية واقتصادية مع روسيا وإيران وإسرائيل، بنصف درجة علاقات تركيا بتلك الدول اليوم. لنا أن نتخيل مايُمكن أن توصف به تلك الدولة، وكيف سيتعامل معها الفكر السائد وأهله، نفسياً وإعلامياً على الأقل.

لهذا، قد ينتج عن الحديث في هذا الموضوع، بوضوحٍ وصراحة، درسٌ استراتيجي، هو في النهاية أحد أهم الدروس المُستخلصة من الحال الراهن.

فعلى مدى السنوات الماضية، تَصاعدَ الحشدُ النفسي والفكري في تلك الدوائر، عربياً تحديداً، ليس فقط لتأكيد حقيقة «إسلامية» الحكومة التركية، وإنما أيضاً لحتمية قيادتها عالَماً إسلامياً سُنياً، بغض النظر عن كل دوائر الانتماء الأخرى، وعن المعادلات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي تحكم الإقليم والعالم. بل إن جوهر «الإسلامية» المذكورة، لدى الغالبية العظمى ممن حملَ الفكرة ودعا لها، كان لايتمحور، فقط أيضاً، على التجاهل الكلي لتلك الانتماءات والمعادلات، بل وعلى مواجَهتها ومُحارَبتها ومعاندة كل مقتضياتها، وماتفرضهُ من وقائع عملية على أرض الواقع وفي حياة الناس.

كان هذا ينبثق مما سميناه في مقالٍ سابق بـ تلبيس تركيا «طربوش» الخلافة التي ستحل، بالنيابة، كل المشاكل، وتعالج، بالوكالة، كل الأزمات. كان جوهرُ «إسلامية» حكام تركيا، في نظر كثيرٍ من السوريين والعرب والمسلمين، ناتجاً عن «تفكيرٍ رغائبي» ينبع، جزئياً، من مشاعر القهر والعجز الذاتي، لكنه كان، من ناحيةٍ أخرى، ولايزال، تجلياً لأزمةٍ مستمرةٍ في فهم الإسلام ذاته، وفي كيفية التعامل مع الواقع البشري من خلاله.

ربما انساقَ أتراك «العدالة والتنمية» أنفسهم، لوهلةٍ، في إطار التفكير الرغائبي المذكور، ومايفرضه على أصحابه نفسياً وفكرياً وعملياً من مقولات وممارسات. نترك هذا للتاريخ

وللأتراك. لكن المؤكد أنهم تجاوزوا الموضوع مع تتالي الأحداث والوقائع خلال سنوات الثورة السورية، وتحديداً في الأشهر الستة الماضية.

حسب صحيفة المونيتور التركية، ونقلاً عن موقع «ترك برس» المتخصص في الشؤون التركية: «بحجم تجارة ثنائية يصل إلى 8 مليارات دولار تُعد إيران الآن أكبر شريك إقليمي لتركيا. وبسبب انخفاض أسعار الطاقة العالمية فإن تركيا التي تشتري النفط والغاز من إيران وفرت 600 مليون دولار من جارتها الشرقية»، والعراق «يشتري منتجات تركية بقيمة 6,5 مليار دولار»، أما إسرائيل فقد استوردت «بضائع تركية بقيمة 2,5 مليار دولار في الأشهر العشرة الأولى من هذا العام».

إذا قرأ الساسة الأتراك الواقع من هذا المدخل، مع الأخذ بعين الاعتبار انقلاب تموز وأعمال الإرهاب في تركيا وانخفاض الليرة، فإن الحسابات «الإسلامية» للترجيح بين المصالح الآجلة والعاجلة، والعامة والخاصة، ستكون مختلفة لديهم عنها لدى آخرين. هل هذا صوابٌ أم خطأ؟ قد يكون البحث في ملابسات هذا السؤال مدخلاً أكثر واقعيةً للبحث في سؤال «الإسلامية» من عدمها، نهايةَ المطاف.