عندما يعجز العقل عن فهم ما يحدث على أرض الواقع، أو أن الحوادث والأحداث التي ترهبه وترهقه بالخوف والترقب أكبر من قدرته على فهمها وتحليلها، كما يرهقه التفكير في مجريات أحداث أليمة حد الوجع ذهب ضحيتها أبرياء ذنبهم الوحيد هو وجودهم صدفة لحظة وقوع الحدث غير المبرر وغير المفهوم، وهو ما اتفق على وصفه «بالإرهاب» - يعود إلى البحث والتنقيب في الكتب والدراسات، كالتاجر المفلس الذي يعود إلى دفاتره القديمة يبحث فيها عن مدينين يسترد منهم ما ينقذه من إفلاسه.

لست بذلك التاجر المفلس، ولا بذات العقل العاجز عن التفكير والتحليل، ولكن ألم ما يَحدُث يُحدِث هذا الركود والتشويش، ربما لذلك استعنتُ بالمفكِّرة الألمانية «هنا أرنت» في تعريفها للعنف، وهذا التعريف استعانت به د. «منى أبوسنة» في كتابها الفلسفي العميق «نقد العقل الأصولي» وهي تعني به الفكر المتطرف. تقول «أرنت» في تمييزها بين القوة والعنف: «إن ما يميز القوة من العنف هو أن القوة في حاجة دائمًا إلى إعداد، في حين أن العنف يمكنه، عند نقطة معينة، أن يمارس من غير إعداد؛ لأنه يعتمد على العتاد»، أي أن القوة تُمثِّل الكل ضد الواحد في أقصى أشكالها كما يحدث في مقاومة ومكافحة الإرهاب من أجهزة الأمن في الدول العربية والأوروبية والمجتمعات بمجملها، بعد أن أصبح العنف الذي يعرف بالإرهاب يحدث في كل لحظة؛ تنام على خبر مفجع وتستيقظ على خبر أكثر فجيعة.

أما أقصى أشكال العنف فهو أن الواحد ضد الكل، وأن هذا الأخير ليس ممكنا بغير عتاد كما تقول «أرنت»، وهذا ينطبق على كل الحوادث الإرهابية التي وقعت في مدننا أو في دولٍ أخرى عربية وأوروبية، كحادثة «نيس» في فرنسا التي تمكّن شخص واحد يمتلك «عتادا» عبارة عن شاحنة من استخدامها في دهس العشرات من البشر أطفال ونساء، شباب وشيب، كذلك فعل المجرم أو مجرمو مطعم تركيا، فرد واحد يمتلك عتادًا «رشاشا» تمكَّن من قتل أبرياء ذهبوا إلى المطعم يقتنصون لحظة مبهجة يستقبلون بها عامًا جديدًا وهم لا يُدركون أن أول ساعة من هذا العام ستُلوّنها دماؤهم الطاهرة، وكلنا نتساءل: أين رجال الأمن التركي، ولماذا لم يتدخّلوا مبكرًا لمنع وصول هذا «الفرد» وعتاده إلى داخل مطعم فخم على البسفور، ولماذا لم تكن هناك عمليات استباقية لوقف مثل هذا العنف قبل حدوثه بتلك الصورة المأساوية؟.

كل هذه الأسئلة أو أن الفكرة جاءت بعد سكرة الفجيعة والألم ونحن نتابع الإنجاز الأمني يوم السبت الماضي07 /01 /2017 في حي الياسمين بالرياض، حيث تمكنت وزارة الداخلية ممثلة في رجالها الأبطال من القضاء على إرهابيين اتخذا من المنزل في ذلك الحي الهادئ وكرًا إرهابيًا لتصنيع المواد المتفجرة من أحزمة وعبوات ناسفة كما جاء على لسان المتحدث الأمني، هذا الإنجاز يُضاف إلى الإنجازات الأمنية الاستباقية التي حالت دون عدد من الكوارث كان يُعد لها المجرمون العدّة، لكن يقظة رجال الأمن والإستراتيجية الأمنية لإحباط المخططات الإرهابية قبل تنفيذها أحبطت العديد من تلك المخططات الإجرامية بفضل الله.

هذه هي نقطة الارتكاز الأمنية، مَن يصل أسرع؟ قوات الأمن تتبع وتتابع ثم تصل قبل أن يُنفِّذوا هجومهم ويستخدموا متفجراتهم التي أمضوا في تجهيزها الوقت والجهد للتحوَّل إلى هباء قبل أن تصبح كارثة ومأساة في مسجد أو مركز تسوُّق أو مجمع سكني أو شارع يسقط فيه الأبرياء وتسيل الدماء شاهدًا على دناءة الفعل وبشاعة الجريمة، أو مَن ينتظر حتى ينتهي المجرم من فعلته ثم يأتي متأخرًا كثيرًا!

هذه الأفعال الإجرامية التي ترتكب باسم الإسلام، والمؤطرة بعبارة «الله أكبر» ليست من الإسلام، إنما هي لتشويه صورة الإسلام بهذا الشكل الدموي، فإذا سلّمنا بأن جريمة المطعم في منطقة أورتاكوي بإسطنبول مؤامرة لكسر تركيا الدولة الغنية القوية مع قناعتنا بالقصور الأمني، ماذا عن هؤلاء «الصيعري، والصاعدي»؟ الأول مسؤول عن تصنيع المتفجرات وعن عدد من الحوادث الإرهابية التي راح ضحيتها أبرياء من رجال الأمن والمواطنين، وعلى قائمة المطلوبين؟ هؤلاء نتاج الفكر المتطرف، والتنظيمات التي استغلت مناطق الصراع، كأفغانستان والعراق وسوريا، ودعم خفي من إيران وربما من إسرائيل، لأنه لا يُمكن لعاقلٍ أن يُصدِّق أن مسلمًا رشيدًا يقوم بمثل هذه الأفعال الإجرامية وهو بكامل قواه العقلية.