عشرُ سنواتٍ من الجهدِ المتواصلِ، والتنقيب في بطون الكتبِ والمخطوطات، والتفتيش في الصحف والمجلات، والحرص على المشاركةِ في المؤتمرات والندواتِ، والزيارات للمراكز البحثية والمكتبات، واللقاءاتِ مع الكِبار والكُبراء .. عشر سنواتٍ من هذا العمل الدؤوبِ المضنى أَسفرتْ عن هذه الموسوعة المكية الفريدة (ثقافة المجتمع المكي خلال نحو قرن ونصف القرن) لزميلنا العالم البحاثة أ.د.إسماعيل خليل كتبخانة.

لقد انطلقَ د.كتبخانة من مفهوم الثقافة الواسعِ الذي يشملُ البعد الماديّ ممثلاً في المساكن والأسواق والأطعمة والألبسةِ والأدواتِ، والبعدَ المعنويّ ممثلاً في الفنون والآداب والتعليم والعادات والتقاليد، ليرسم لنا باقتدارٍ صورةً واضحة المعالم للمجتمع المكيّ خلال الفترة من 1300هـ إلى 1436هـ.

تحدث الدكتور في موسوعته عن حارات مكة وبيوتها ومساجدها وعمرانها، وشرح تفصيلاً حال أسواقها ومهنها وصناعاتها، وكشف عن عادات أهلها وتقاليدهم في الطعام والألعاب والاحتفالات والمناسبات، ووسّع الحديث عن تعليمها التقليدي والحديث، ومكتباتها العامة والخاصة، وأبعادها الثقافية والإعلامية، وبسط القول في آدابها وأمثالها وفنونها الشعبية، ولم يغفل الحديث عن تنظيماتها الإدارية، ومؤسساتها الحكومية والخيرية. وبعد كل هذا العطاءِ الثرّ ختم موسوعته بمعجم مصوّر فريدٍ لأهم المفردات والمصطلحات والأسماء التي وردتْ فيما سبق.

ومما يميزُ هذه الموسوعة أنها ليست مجرّد (سردٍ) للمعلوماتٍ، ففيها من التحليل الاجتماعيّ، والتفسير التاريخيّ، ومحاولات الربطِ والتعليل، ما يجعلها بامتيازٍ كتاباً ثرياً في علمِ الاجتماعِ والتحليل التاريخيّ.

وتأمل على سبيل المثال حديثه عن (التمازج الثقافي الداخلي) و(التأثير الثقافي الخارجيّ) وكيف شرَّحَ من خلال هذين المصطلحين واقع الثقافة المكيةِ زمنَ الملك عبدالعزيز رحمه الله وبعده. وتأمل كذلك حديثه عن تأثير (المجاورين) على المجتمعِ المكيّ، وما أضافوه إليه من سماتٍ تجديدية. وانظر أيضاً إلى كلامه عن (الصحافة المكية) وكيف واكبتْ النموَّ المكيَّ.

وإضافةً إلى هذا الزخم المعرفيّ والتاريخيّ فإنّ الموسوعة بمثابة (ألبوم نادر) لمكةَ مكاناً وإنساناً، ففيها من الصورِ النادرةِ لأعلام مكة ومعالمها ما لا تجده مجموعاً في مكان آخر.

ولعلَّ من أهم الدروس العظيمة التي نستفيدها من هذه الموسوعة - عدا ما فيها من علم ومعرفة وتحليل وتوثيق- درس (الوفاء)، فالمؤلفُ كان وفياً لمسقطِ رأسه، ولم يقصّر في خدمتِهِ من جهةِ اختصاصه، ولو أنَّ كل عالمٍ وباحثٍ خدَمَ مدينتَهُ من زاوية اختصاصه بمثل ما فعل أ.د.إسماعيل لكان من ذلك عطاءٌ ضخمٌ للإنسانية والعلمِ والمعرفةِ.

ولا أعلمُ أحداً خدمَ تاريخ مكةَ الحديث بمثلِ هذه الخدمة الجليلة، فجزى الله د.إسماعيل عنا وعن مكةَ خيراً.