الطفولة لها تأثير وجداني عظيم، ربما لأنها تمثل الضعف والرقة والجمال، فمنظر طفل مريض، مؤلم، حتى الدمعة التي تسقط من عينيه البريئتين لها وقع قاسٍ على القلوب، كيف إذاً عندما يُشاهَد طفل رضيع يعذب بتلك الصورة الوحشية؟

ليست فقط حادثة الطفلة التي انتشرت على مواقع التواصل ووصلت إلى الفضائيات، هناك قصص وحكايات لم يصل إليها الإعلام التقليدي أو الحديث، وقلوب أمهات تُحرق وتعذَّب على أطفالهن، لأنه لا يوجد قانون يُجرِّم الأب في حالة انتزع الأبناء من زوجته أو مطلقته، لأن بعض الفقهاء اعتبروا الابن ملكاً للأب، والوعي الشعبي والاجتماعي يعتبر الأم « قربة وفرغت « وهذه المأساة الإنسانية على مستوى الطفولة والأمومة لم يبت فيها بشكل قاطع مانع يجعل التفكير في انتزاع طفل من أمه جريمة بعقوبة مشددة تمنع حدوثها.

لو قمنا بإحصاء عدد الأطفال الذين قُتلوا وعُذبوا على يد زوجات الأب لدينا، منذ أخذت هذه الظاهرة طريقها إلى الإعلام، مع إضافة رقم يمثل غير المرئي والذي يحدث خلف الأبواب ويكتنفه الصمت والغموض، ربما وجدنا أن العدد يقترب من أطفال قُتِلوا وشُرِّدوا نتيجة الصراعات الداخلية والحروب في تلك الدول أو المناطق، ولا يعد الانفتاح الإعلامي مؤشراً على حجم قضية العنف ضد الأطفال، لحقيقة بسيطة؛ فالخبر لا ينتشر إلا بظهور « جثمان « لطفل أو طفلة، نقلبه لنشاهد حجم التعذيب الذي تعرض له، تنفطر قلوبنا، وتدمع أعيننا، حتى يوارَى الثرى، ثم ننشغل بأمور أخرى بينما هناك عدد من الملائكة الصغار يعيشون حياة قاسية، وربما يعانون من التعذيب والجوع والقسوة ما لا يستطيع تحمله بشر، لأنهم لا يستطيعون الشكوى، ولا يملكون القوة والشجاعة ليفصحوا عن ألمهم وهم يعيشون تحت سقف واحد مع مجرم أو مجرمة نزع الله من قلوبهم الرحمة، هي هذه المسؤولية التي يتحملها القانون الذي لا يراعي الطفولة ولا يحميها بل يهتم في المقام الأول بسلطة الذكورة، يدعمها بإعطاء الأب حق الحضانة بينما الأم هي الأجدر برعاية وحماية صغارها.

الأب أول ما يفعله بعد الطلاق البحث عن زوجة تقوم على خدمته وخدمة أبنائه من الزوجة المكلومة، لأنه ليس لديه طاقة ولا قدرة ولا معرفة بإدارة منزل ورعاية صغار كما يربى الشاب في مجتمعنا نعيب عليه القيام بأي عمل منتمٍ ومكرس للنساء ويحمل صفة الأنثوية بينما الحياة شراكة بين رجل وامرأة فبينما يقبل الرجل عمل المرأة وإنفاقها من دخلها على متطلبات الحياة يرفض القيام بأي عمل منزلي حتى المساهمة في رعاية الصغار لذلك تجده عاجزاً تماما عن رعاية أطفاله في حالة الطلاق وإصراره على حق الحضانة الذي يمنح له دون جهد لذلك يوكل أمر صغاره إلى زوجة لا تربطها بهم أي رابطة عاطفية سوى قسرها على رعاية وخدمة صغار لا ينتمون لها، فإذا كانت قاسية أو ليس لديها طاقة أو قدرة على رعاية المنزل والصغار لكنها تظاهرت بذلك لتحصل على زوج حتى لو كان مكبلاً بالمسؤوليات فتصب غضبها وقسوتها على الطفولة البريئة.

نحن إذاً أمام مشكلتين عميقتين تحيلان أطفالاً أبرياء إلى جحيم أسري يودي بهم إلى القبر: مشكلة قانونية وأخرى ذكورية، الأولى تدعم الثانية وتيسر لها التنكيل بالمطلقة ونزع صغارها وإعطاءهم لامرأة لا يربطها بهم أي رابط سوى علاقتها الحديثة بالأب، وتلك هي الإشكالية الثانية التي لم يتخلص منها قانون الأسرة لأن الحضانة لم تقرر حقاً مطلقاً للأم حتى يبلغ الطفل سن الرشد ويستطيع الدفاع عن نفسه لو اختار العودة إلى الأب وهو احتمال ضعيف أو حتى مستبعد لأن الأمومة علاقة تبدأ منذ البدايات الأولى للشعور بأن هناك كائناً يتخلق في رحمها قبل أن تراه العين يراه القلب ويفسح له كل المساحة، الأمومة حالة خاصة بين الأم والأبناء لاتنسحب على الآباء، أو أن الأب ينظر إلى الأبناء بعين واحدة في حياة الأم فإذا ذهبت لم يعد يراهم، لذلك قالوا ( الأم تلم، واللي ماله أم حاله يغم ) ،صحيح هناك آباء أحن وأرق من بعض الأمهات المهووسات بذواتهن وهي نسب قليلة وشاذة عن الفطرة المجبولة عليها الإنسانية، حتى في مثل هذه الحالات تظل الأم هي الأجدر برعاية أبنائها مع حفظ حقها في النفقة والسكن وكل ما ييسر حياتها وحياة الأبناء.