للحقيقة أقول: إن قيم الإنسانية الحقة الخالصة والفكر النيَّر ليسا من صنع أحد، ولا من فرض الطبيعة، ولكن هي صناعة إلهية بحتة، عرضت لها الكتب السماوية، وحمل رسالتها جميع الأنبياء، وجاء القرآن العظيم وشريعة الدين الإسلامي بلسان الحبيب نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، حتى تتم هذه القيم والمكارم، ولكن من المؤسف وضيق فكر البعض أنهم يعتقدون أن نضوج شجرته تعتمد على كسر الآخرين، وتشويه كل ما يتعلق بهم، وهل يذكر هؤلاء بأن الموت يأتي بغتة كما قال الحبيب صلى الله عليه وسلم، وأخبرنا بحديثه الشريف: «ولا يغترن أحدكم بحلم الله.. فإن الجنة والنار أقرب إلى أحدكم من شراك نعله».

ولكن نتيجة الجهل والارتباك والفكر الضيق فهم يعتقدون أن إثبات الوجود والنجاح لا يتحقق إلا على أنقاض الغير حتى يتخيَّل أن جميع من يماثله منافس ولا بد من الإطاحة به متى ما سنحت الفرصة، وهذا الفكر الضبابي لا ينظر إلا بالعين ذات الرمد، ولا يعرف النقد، فيعيش أصحابه إعاقة أخلاقية ونفسية.. ويعيشون تناقضًا وانفصامًا في شخصياتهم، فأين هم من قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون)، ولكن تضيق بهم الواسعة، فلا يدركون أن ما تفعله اليوم ستحصده غدًا، هذه معادلة لا بد من تصديقها وبكل شفافية ووضوح، والسؤال الذي يُطرح.. كيف يحدث هذا؟ أقول: يحدث عندما نمتنع عن المكاشفة، ونصرُّ على أن كلاً منا هو صاحب الرأي الأوحد، يحدث هذا عندما تُصاب بمرضٍ منتشر، وهو عدم الاكتراث بالاحترام وتقدير الآخر، يحدث هذا عندما تتغير أولوياتنا وتتشتت أولياتنا، وحين نعتبر أن اهتمامنا ووعينا بثقافة الآخر وفكر الآخر ورأيه؛ نوع من الذل والضعف، وعندما يغيب الإدراك عن ذلك النقاش الهادئ المهذب.. يحدث هذا التناقض والانفصام في الشخصية عندما تختل توازنات تربيتنا ويغيب الإرث الثقافي المبني على الاحترام وتقدير الرأي الآخر.. وعندما تتغير مفاهيمنا واعتباراتنا لأسباب مصلحية ومنفعية تقوم على مبدأ «الأنا» التي هدمت كل اعتبار.. يحدث هذا عندما نكون أنانيين وتمتلئ نفوسنا بالغرور، حتى نريد أن نمتلك كل شيء.. إنها مساحة السواد الذي تمتلئ به نفوس أصحاب الفكر الضبابي.