تحدثت في مقالي الماضي عن تجربة خضتها مع ازدواجية الترجمة لمسلسل «فرويد»، وقد كانت تجربة ظريفة وممتعة رغم مخاتلتها.. اليوم سأتحدث عن تجربة «ترجمة» أخرى أقل ظرفاً، ولا متعة فيها على الإطلاق.. (بل إني على وشك الدعاء عليها وعلى صاحبها في العشر الأُخر من رمضان).

واحدة من التهم الكثيرة للنظرية النقدية والأدبية -في عالمنا العربي- هي الغموض، وعدم وضوح المعنى.. وأحد الأسباب خلف هذه التهمة يعود للترجمة كما تعلمون؛ كثير من النظريات تصلنا عبر الترجمة، وكثير من هذه الترجمات -للأسف- هشة، غير دقيقة، لم يراعِ أصحابها أمانة الترجمة ولا شروطها العلمية.. كثير منها ترجمات حرفية، تعتمد على البرامج الجاهزة، تضيّع المعنى، وتضلل القراء.

سأعطيكم مثالاً واحداً من عدة؛ كنت في جامعة ليدز قبل عشر سنوات تقريباً، حين وقعت عيني على كتاب (Literary Theory: A Very Short Introduction / النظرية الأدبية: مقدمة قصيرة جداً).. وهو يأتي ضمن سلسلة أكسفورد الشهيرة للكتب المختصرة عن النظريات العلمية والاجتماعية، التي يُنتخب لها أفضل المتخصصين عادة، لذلك اختير المنظر والناقد الأمريكي المهم جونثان كُلر لكتابنا هذا.

والكتاب مهم لأمرين: لأن مؤلفه هو أحد أهم النقاد الأحياء، المعروف بدقته، ووضوح طرحه النظري، ولأنه يقدم أحدث ما وصلت له وجهة النظر النقدية تجاه مفاهيم الأدب، والنظرية، وموقف المناهج النقدية من وظيفة الأدب في عالمنا اليوم.. لذلك قررتُ -حالما انتهيتُ منه- أن أترجم الكتاب إلى العربية، لكني حين بحثت في قوقل، وجدت أن له ترجمة سابقةً صدرت عن المشروع القومي للترجمة في مصر بعنوان (مدخل إلى النظرية الأدبية!!)، فتراجعتُ مرتاحاً لأن العمل متوفر بالعربية.

اليوم -وأنا أستقبل العشر من رمضان- وقعت يدي على نسخة الكتاب المترجمة، وقد ترجمها الدكتور مصطفى بيومي عبدالسلام، ترجمةً في غاية السوء، لا تليق بمترجمٍ مبتدئ، فما بالك بأستاذ جامعي متخصص في الأدب والنقد.. (وقد ترجم مؤخراً كتاباً بعنوان «النقد الثقافي».. ويا كافي..!!!).

سأسرد هنا بعض الأمثلة فقط، علماً أن الكتاب يعج بأخطاء الترجمة، والجمل الغامضة، وتناقض المعنى: يقول كلر، وهو يتحدث عن المفهوم العام لكلمة «أدب»: « even today a scientist who says: «the literature on evolution is immense» means not that many poems and novels treat the topic but that much has ben written about it.»

لن يجد أي مطّلع «حقيقي» على الإنجليزية صعوبة في ترجمة هذه العبارة التي تعني ببساطة: (حتى اليوم، حين يقول عالِمٌ: «إن الأدبيات -أو المؤلفات- حول نظرية التطور كثيرة جداً»، فهو لا يعني أن قصائد وروايات كثيرة تناولت القضية، بل يعني أن هناك الكثير مما كتب حولها).. لكن المترجمَ الأسطوري يترجم العبارة هكذا:

«وإن كان عالم اليوم يقول: «إن الأدب في حركته التطورية هائل».. فإنه لا يقصد العديد من القصائد والروايات التي تتعامل مع الموضوع، ولكنه يقصد الكثير الذي كتب حوله».

إن أبسط عارف باللغة الإنجليزية، يدرك أن كلمة «الأدب» في سياق عبارة كُلر، لا تعني الظاهرة الأدبية شعراً أو نثراً، بل تعني المؤلفات التي تناولت الموضوع، كما أن أصغر طالب في المرحلة المتوسطة، سيعرف أن (evolution) في عبارة كُلر تشير إلى نظرية التطور العلمية في الأحياء، ولا علاقة لها «بالأدب في حركته التطورية»..!!! أعتقد أن هذه الترجمة الكارثية تشير إلى ضعف معيب في الترجمة، وفي التخصص، وفي ثقافة المترجم العامة.

مثال آخر غير بعيد عن سابقه، أسألكم بالله.. ما معنى هذه العبارة: «شيء متطلع.. للمشاركة الوجودية.. يتمثل في بساطته».. تخيلوا أن هذه ترجمة صاحبنا للعبارة الشهيرة للفيلسوف والرياضي الأمريكي ويليام كواين :» a curious thing about the ontological problem is its simplicity». هذه العبارة العميقة، التي طارت لتصبح مثلاً، تعني ببساطة: (الشيء الغريب -أو المحيّر- حول المشكلة الوجودية هو بساطتها).. والشيء الغريب «والمنفّر» حول ترجمة العبارة في الكتاب أنها لا تعني شيئاً..!! والحمد لله أن شكسبير ليس بيننا اليوم ليرى بعينيه كيف تشوّه أول سطر من سونيتته الجميلة رقم 130: « My mistress› eyes are nothing like the sun » (عينا حبيبتي لا تشبهان الشمس أبداً).. حيث جعلها المترجم المغوار: «عيون سيدتي لا تماثل شيئاً سوى الشمس»، ليهدِمَ كل الفكرة التي قامت عليها إحدى أهم وأجمل قصائد الشاعر الإنجليزي.. (كأني به يتمرّغ حسرةً في قبره!!).

أنظر الآن إلى صفحتين كاملتين من الأخطاء التي لاحظتها في أقل من عشر صفحات في ترجمة كتاب جوناثان كُلر.. أنظر إليهما وكلي شفقة على طلابنا وطالباتنا ممن يعتمدون على هذه الترجمة وغيرها من الترجمات الركيكة الخنفشارية.. أنظر إلى الصفحتين وأفكر في قائمة المترجمين والمترجمات الذين أعرف أنهم ليسوا إلا نسخاً من صاحب كُلر، وليس إلا أن أرفع يدي بالدعاء: اللهم إني لا أسألك رد القضاء، ولكن أسألك اللطف فيه.. وفي مستقبلنا العربي المسكين.