في مثل هذه الأيام من رمضان الماضي، في العشر الأواخر أيام العتق من النار، رحل عن دنيانا الفانية الأخ الحبيب والصديق الحميم ورفيق الدرب الأستاذ الدكتور عاصم حمدان علي حمدان، الذي كان عَلماً من أعلام الفكر والأدب والثقافة في بلادنا والعالم العربي كله. وفي ذكرى الوفاة الأولى لهذا العالِم الكبير في هذه الأيام المباركة، لا نريد أن نكرر الحديث عن نتاجه الفكري الضخم الذي سيبقى له إن شاء الله علماً يُنتفع به، بل يجدر بنا أن نذكر مناقبه وصفاته الحميدة التي نهلها من المدينتين المقدستين مكة المكرمة، والمدينة المنورة، فهو ابن الحرمين معاً في آن واحد، وُلد ونشأ في طيبة الطيبة في كنف واحد من رجالها الكبار العمدة حمدان علي حمدان الذي يعرفه أهل المدينة بالصدق وقوة الشكيمة، ثم كانت دراسته الجامعية في جامعة أم القرى بمكة المكرمة واستقر عمله في جامعة المؤسس.

ومن صفات عاصم التي يعرفها كل من كانوا حوله: الزهد، فكان آخر ما يهمه حطام الدنيا، وكغيره من أهل العلم كان مستور الحال لا يغريه المال ولا يسعى وراءه، وكان متواضعاً في كل شيء، في طبعه وخلقه وملبسه ومسكنه وراحلته الى آخر القائمة، وهو ما حبب الناس فيه، وجعله مقصداً لمسؤولين كبار كثير منهم وزراء وأنا أعرفهم جميعاً وما زرته مرة في داره إلا وجدت بعضهم عنده، وهذا الحب لعاصم ما كان يأتي تكلفاً، فكلنا أحببناه لنقاء سريرته ونظافة يده ولسانه، وزهده فيما في أيدي الناس لذا أحبه الناس. وهذا الزهد جعله طوال حياته منفقاً دون حساب على الفقراء والمحتاجين. وذكرت في إحدى مقالاتي مرة أنني لطالما صليت معه في الحرم النبوي الشريف، وكان يجلس وقتها في (دكة) لعلها كانت دكة الأغوات ويأتي إليه خَلق كثير لا أعرف من أين يأتون ويكون مستعداً ببعض المال في جيوبه، فلا نخرج من الحرم إلا وقد أفرغ جيوبه تماماً. هذا العطاء والكرم والتصدق كان معروفاً عن عاصم، رغم أنه -كما قلت- كان مستور الحال كدأب العلماء في كل الأزمان الذين لا يجتمع لهم العلم والمال. وكرمُ عاصم وعطاؤه ما كان قاصراً على المحتاجين، بل عُرف بكرمه مع أصدقائه ومحبيه، وما كان يمضي شهر واحد إلا ويقيم مأدبة كبيرة على شرف واحد من أصدقائه، تقام في داره العامرة أو في أحد المنتزهات التي تقدم وجبات الأسماك بجدة، ومعلوم أنها مكلفة للغاية خاصة وأن مدعويه يبلغون أو يزيدون عن خمسين. ومنذ أن التقينا لأول مرة في جامعة المؤسس قبل أكثر من خمسة وثلاثين عاماً إلى يوم وفاته وأنا أتعلم منه دروساً في الكرم والعطاء، وفي اليوم الأول علّمني خصلة مازلت أدأب عليها أن أذبح ذبيحة كل شهر على الأقل وأوزعها على الفقراء لتدفع البلاء عني وعن أهلي. ومن صفاته الحميدة -ما أكثرها- اهتمامه الدائم بشؤون أحبته ومشكلاتهم، فإن علم أن أحدهم مريض مثلاً أو أن أحداً من أهل بيته مريض، دأب على السؤال عنه كل يوم وأرسل له ما يستطيع من الأدعية والأوراد المأثورة، وكثر ما يرسل ماء زمزم مقروءاً عليه. ومن صفاته الحميدة أيضاً أنه ما كان يحمل غِلاً على أحد أبداً، حتى الذين أساؤوا اليه، لذلك كان صديق الجميع وحبيب الجميع. وملمح آخر من صفاته الحميدة لم يتطرق إليه بعض من كتبوا عنه هو وطنيته الصادقة المخلصة وحبه وولاؤه لوطنه وأولياء الأمر فيه، ومن مظاهر هذه الوطنية الصادقة أنه رغم كونه معجباً جداً بالتراث العمراني في مكة والمدينة وكتاباته المميزة عن الحارات القديمة التي أزيلت لأغراض التوسعة، إلا أنه كان يردد أمامي وأمام كثير من جلسائه أنه معجب كل الإعجاب بأعمال التوسعة التي سهّلت أداء المناسك على الحجاج والزائرين والمعتمرين. تلك بعض خصال الفقيد الكبير الأستاذ الدكتور عاصم حمدان علي، أسوقها في ذكرى رحيله الأولى رحمه الله رحمة واسعة.