العمل الإعلامي مساحة واسعة تجمع المتخصصين من مسارات مختلفة؛ وحين تتقاطع التجارب يتكوّن لدى الإنسان زادٌ مهني يرافقه زمناً طويلاً. ومن بين المحطات التي صنعت أثراً عميقاً في مساري المهني كانت تجربتي مع الأستاذ منذر محمود طيب؛ قامة اتصالية امتلكت ثلاث سمات شكّلت فارقاً في بيئات العمل: تواضع يفتح القلوب، ودعم متواصل للفريق، وقدرة مدهشة على تبسيط الاستراتيجيات الاتصالية بحيث تتحول إلى خطط قابلة للتنفيذ وسريعة الأثر، إضافة إلى اهتمامه بالشمولية الاتصالية بكل مساراتها.
ومن أهم ما أدركته خلال سنوات العمل أن الاحتكاك بالخبرات الثرية يفتح آفاقاً لا توفرها الكتب ولا الدورات. فحين تعمل مع أشخاص يمتلكون عمقاً مهنياً وفكراً اتصاليّاً ناضجاً، تتسع زاوية الرؤية، وتتراكم لديك مهارات يصعب اكتسابها دون ممارستها فعلياً. هذا النوع من الاحتكاك يخلق وعياً جديداً، ويمنحك قدرة أعلى على قراءة المواقف، واختيار الرسائل المؤثرة، وبناء استراتيجيات تتناسب مع الواقع. وتجربة العمل مع الأستاذ منذر كانت مثالاً على ذلك؛ فقد شكّلت مدرسة حيّة للخبرة اليومية، وتعلّمت من خلالها كيف يتحول الفكر الاتصالي إلى ممارسة ملموسة تنتج أثراً حقيقياً.
هذا الرجل كان مدرسة قائمة بذاتها. تعلّمت منه واستفدت بقدر يفوق الوصف. يبدأ أي مهمة بالتقاء الفريق جماعياً ثم فردياً؛ يصغي بعمق، يدوّن التحديات، يرصد مكامن القوة، ويحدد ما يحتاج إلى تعزيز وتطوير، ثم ينطلق في عملية البناء خطوة بخطوة.
يعتمد نهجاً يرفع من قيمة الموجود ويعمل على صقله وتطويره؛ يعيد ترتيب الأدوات، ويقوّي ما يحتاج إلى قوة، ويمنح الفريق شعوراً بالثقة والقدرة على الإنجاز.
التقيته أخيراً في ملتقى الصحة العالمي، وكان كما عهدته؛ حضور هادئ، إصغاء عميق، أسئلة دقيقة، وطريقة تفكير تعتمد على قراءة المشهد الاتصالي من كل زاوية. اليوم، "أبو محمود" وهو في وزارة الصحة، تزداد قناعتي بأن بصمته ستكون واضحة؛ فأسلوبه في قيادة العمل الاتصالي قادر على تحويل الاستراتيجيات إلى صناعة مؤثرة، وإلى منظومة تُرى آثارها بسرعة وعمق، خاصة مع وجود كفاءات قادرة على ترجمة الرؤى وقائد داعم للتحوّل والنجاح.