في زمن صار فيه الضجيجُ الإعلاميُّ بديلًا عن الحقيقة، والإثارة أثمن من العُمق، يتحوَّل الإعلامُ من مدرسةٍ للوعي، إلى مسرح للتَّهريج، ففي كلِّ مرَّة يظهر لنا بطل جديد، يقود المرحلة، ثمَّ يختفي هذا المُنقذ المُنتظر؛ ليحلَّ محلَّه بطلٌ آخرُ، تُعدُّ ظاهرة التَّهريج الإعلاميِّ آفةً، بدأت تتغلغل ببطء في حياتنا ومجتمعاتنا، حتى أصبحت صناعة التَّهريج الإعلاميِّ بالعالم العربيِّ عملةً، أو بضاعةً موجَّهةً بشكل ممنهجٍ ومتعمَّدٍ للاستخفاف، والتَّمويه، والافتراء عبر توجيه التُّهم، ومعملًا لتلفيق الإشاعة، وخلق معارك وهميَّة بعيدة عن ما هو مرجوٍّ ومأمولٍ.
وفي ظلِّ هذا العالم الذي يزداد صخبًا، وفي زمن كثرة منصَّات التواصل الاجتماعيِّ، نحتاج احترام الذَّات قبل السَّعي إلى إعجاب الآخرين. أين اختفى الإعلامُ المنضبطُ، الإعلام التقليديُّ الذي تعوَّدنا عليه، البعضُ من المؤسسات الإعلاميَّة التقليديَّة تحوَّلت، من قائدة للمشهد، إلى ملاحقة له، تقلِّد ما يحدث في السوشل ميديا، وتواكب ما يفرضه الترند، لكنَّها نادرًا ما تعود إلى أساس رسالتها، رسالتها المنضبطة بانضباط متابعيها، نحتاج للعودة إلى ذلك الإعلامِ الحُرِّ النَّزيهِ، إذ إنَّ التحدِّي اليوم، ليس في مجاراة ظاهرة الترند اليوميَّة، أي منصَّة قادرة أنْ تفعل ذلك في لحظةٍ، التحدِّي هو أنْ يقدِّم الإعلامُ ما لا يقدِّمه غيرُه.
من انفجار منصَّات التَّواصل الاجتماعيِّ، وسرعة المتغيِّرات المتسارعة في هذا المجال، ومرورًا بموجة الذَّكاء الاصطناعيِّ، أصبحنا أسرَى الإيقاع السَّريع، ففقدنا المصداقيَّة والرُّؤية الأبعد، لم نستطعْ تعلُّم البُعدِ الإنسانيِّ والمعرفيِّ للإعلام، الإعلام القادر على إيجاد رُؤية متكاملة لكيفيَّة الاستفادة القصوى من التَّقنيات الحديثة، وتسخيرها لتعظيم المكاسب، وآفاق الفضاء المفتوح للمؤثِّرين الرقميِّين، وصنَّاع المحتوى.
ينبغي أنْ ينتهي زمنُ الضَّجيج الإعلاميِّ، ويأتي زمنُ تعزيزِ دور الإعلام في بناء المستقبل، وصياغة محتوى قادرٍ على مخاطبة تطلُّعات الجمهور، ففي عالمنا المعاصر، أصبح الإعلام وسيلةً قويةً للتأثير في هذا الفضاء ذي المصادر المفتوحة، لم يعد هناك مجال للاجتهاد المعرفيِّ، لم يعد هناك مكان للهواة، بل هناك رُؤية واضحة هدفها خلق بيئة إعلاميَّة صحيَّة ومسؤولة، تعكس الهويَّة الوطنيَّة، وتحافظ على النسيج الاجتماعيِّ وقيم المجتمع، وتطوير جودة المحتوى الإعلاميِّ، وضمان احترام القِيم والأخلاق المجتمعيَّة.
أحمد العمري
@ahmedyanbu