منتدى
من يفوز إذا خسر الكيان؟
تاريخ النشر: 30 أغسطس 2026 11:33 KSA
كل حملة انتخابية تحتاج إلى مرشح يخبر الناس لماذا يستحق أن يفوز، لكنها لا تحتاج إلى أن يقنعهم بأن البيت يحترق حتى يقدّم نفسه بوصفه رجل الإطفاء. وهنا تحديدًا تبدأ المشكلة.
في انتخابات مجالس الإدارات، سواء في الشركات أو الغرف التجارية أو الأندية الرياضية وغيرها، لا يتنافس المرشحون على مقاعد مجردة، بل على إدارة كيانات لها اسم وتاريخ ومساهمون وعملاء وشركاء وموظفون، ولها قيمة وسمعة ومكانة بُنيت خلال سنوات طويلة.
لكن بعض الحملات تنسى كل ذلك، وتتعامل مع المؤسسة نفسها باعتبارها جزءًا من مادة الحملة. فيخرج مرشح ليخبر الناس أن الجهة تعاني خللًا كبيرًا، وأنها بحاجة إلى الإنقاذ، وأن الإصلاح لن يبدأ إلا بوصوله. ثم يرفع آخر سقف الخطاب ويكشف خلافات داخلية، حتى تتحول المنافسة من سؤال: من الأجدر بإدارة هذا الكيان؟ إلى سؤال أخطر: ما الذي يحدث داخله أصلًا؟
والمفارقة أن المرشح قد يربح أصواتًا، بينما تخسر المؤسسة ثقةً بُنيت على مدى سنوات. فالمرشح الذي يبني صورته على أنه «المنقذ» يحتاج، ولو من حيث لا يشعر، إلى صناعة صورة مقابلة لكيان يحتاج إلى الإنقاذ. وكلما بالغ في إبراز بطولته، ازداد إغراء تضخيم حجم الخلل الذي يقول إنه جاء لإصلاحه.
لكن ماذا سيبقى له ليديره إذا نجح؟ هل نريد أن نفوز بمقعد في مجلس إدارة على خراب مالطا؟
ليست السمعة المؤسسية شعارًا في ملف تعريفي، ولا حملة علاقات عامة يمكن ترميمها بمنشور بعد انتهاء الانتخابات. السمعة رأس مال حقيقي؛ تؤثر في قرار المستثمر، وثقة العميل، واستمرار الشريك، وقدرة المؤسسة على استقطاب الكفاءات.
وما يطرحه مرشح لإضعاف منافسه قد يقرأه المستثمر مؤشرًا على اضطراب الإدارة، وقد يسمعه العميل اعترافًا بخلل مؤسسي، فيما قد يراه الشريك علامة على عدم الاستقرار. والأشد حساسية أن هذه المعارك لا تبدأ دائمًا مع الإعلان الرسمي عن الانتخابات. فكثيرًا ما تسبقها مرحلة أكثر هدوءًا؛ يبدأ فيها المرشح المحتمل ببناء حضوره وتقديم نفسه بوصفه صوتًا للإصلاح أو التغيير قبل أن يعلن دخوله السباق.
وهذا في ذاته ليس خطأ. بل إن بناء الحضور قبل الإعلان الرسمي قد يكون من أنضج أدوات الحملات الانتخابية، حين يُستخدم لتعزيز الثقة بالمرشح من خلال عمل يضيف إلى المؤسسة، لا من خلال خطاب يقتطع من رصيدها. فالحملة الذكية لا تحتاج إلى إضعاف الكيان كي تقوّي صاحبها.
الخطورة تبدأ حين تتحول هذه المرحلة إلى حملة غير معلنة تُبنى فيها صورة الشخص على حساب المؤسسة؛ فيصبح كل حديث عن القصور لبنةً في صناعة «المنقذ»، وكل أزمة فرصة لإثبات الحاجة إليه. ولهذا فإن حماية السمعة لا تبدأ مع فتح باب التصويت، ولا تنتهي بإغلاقه.
ولا يعني ذلك إسكات النقد أو إخفاء الأخطاء. فالمؤسسات القوية لا تخشى النقد، والحوكمة الحقيقية لا تقوم على الصمت. لكن هناك فرقًا بين نقد مؤسسي مسؤول يحدد الخلل ويقترح الحل، وبين استخدام عيوب المؤسسة وقودًا لحملة شخصية. وهناك فرق بين أن تقول: «لدي رؤية أفضل»، وبين أن تحتاج إلى إقناع الناس بأن كل ما حولك سيئ حتى تبدو أنت جيدًا.
فالشفافية لا تعني نشر الغسيل، والمساءلة لا تعني هدم الثقة، والإصلاح لا يحتاج إلى تشويه البيت لإثبات أن أحدًا يعرف كيف يعيد بناءه.
ومن هنا تصبح إدارة السمعة في المواسم الانتخابية مسؤولية لا تقل أهمية عن تنظيم الانتخابات نفسها. فالمواثيق والضوابط وحدها لا تكفي إذا لم تكن هناك إدارة واعية للمشهد الاتصالي، تعرف متى يكون الحديث اختلافًا مشروعًا، ومتى يتحول إلى رواية قد تضر بمصالح المؤسسة.
كما أن إدارة الأزمة لا تعني الرد على كل شيء؛ فالمؤسسة التي ترد على كل منشور قد تتحول إلى طرف في المعركة، والتي تصمت طويلًا أمام رواية خاطئة قد تجد الآخرين قد كتبوا قصتها عنها.
ثم تنتهي الانتخابات. يتصافح البعض، وربما يجلس من تنافسوا وتبادلوا النقد حول طاولة مجلس واحدة، لكن أثر الكلمات لا ينتهي معها، والثقة التي اهتزت لا تعود تلقائيًا بمجرد إعلان أسماء الفائزين. وهنا تكمن مأساة بعض الصراعات الانتخابية: ينشغل الجميع بمن كسب المقعد، ولا ينتبه أحد إلى أن الخاسر الأكبر قد يكون الكيان نفسه.
الطموح إلى العضوية حق، والمنافسة حق، والنقد حق، واختلاف الرؤى علامة صحة في أي مؤسسة ناضجة. لكن من يريد قيادة كيان، يجب أن يبدأ بحمايته قبل أن يصل إلى مجلسه.
فالمجالس تتغير، والدورات تنتهي، والأسماء تمر. أما الكيان، فمن المفترض أن يبقى أكبر من الجميع. ولهذا، قبل أن يسأل كل مرشح: كيف أفوز؟ ربما يجدر به أن يسأل أولًا: من يفوز... إذا خسر الكيان؟
في انتخابات مجالس الإدارات، سواء في الشركات أو الغرف التجارية أو الأندية الرياضية وغيرها، لا يتنافس المرشحون على مقاعد مجردة، بل على إدارة كيانات لها اسم وتاريخ ومساهمون وعملاء وشركاء وموظفون، ولها قيمة وسمعة ومكانة بُنيت خلال سنوات طويلة.
لكن بعض الحملات تنسى كل ذلك، وتتعامل مع المؤسسة نفسها باعتبارها جزءًا من مادة الحملة. فيخرج مرشح ليخبر الناس أن الجهة تعاني خللًا كبيرًا، وأنها بحاجة إلى الإنقاذ، وأن الإصلاح لن يبدأ إلا بوصوله. ثم يرفع آخر سقف الخطاب ويكشف خلافات داخلية، حتى تتحول المنافسة من سؤال: من الأجدر بإدارة هذا الكيان؟ إلى سؤال أخطر: ما الذي يحدث داخله أصلًا؟
والمفارقة أن المرشح قد يربح أصواتًا، بينما تخسر المؤسسة ثقةً بُنيت على مدى سنوات. فالمرشح الذي يبني صورته على أنه «المنقذ» يحتاج، ولو من حيث لا يشعر، إلى صناعة صورة مقابلة لكيان يحتاج إلى الإنقاذ. وكلما بالغ في إبراز بطولته، ازداد إغراء تضخيم حجم الخلل الذي يقول إنه جاء لإصلاحه.
لكن ماذا سيبقى له ليديره إذا نجح؟ هل نريد أن نفوز بمقعد في مجلس إدارة على خراب مالطا؟
ليست السمعة المؤسسية شعارًا في ملف تعريفي، ولا حملة علاقات عامة يمكن ترميمها بمنشور بعد انتهاء الانتخابات. السمعة رأس مال حقيقي؛ تؤثر في قرار المستثمر، وثقة العميل، واستمرار الشريك، وقدرة المؤسسة على استقطاب الكفاءات.
وما يطرحه مرشح لإضعاف منافسه قد يقرأه المستثمر مؤشرًا على اضطراب الإدارة، وقد يسمعه العميل اعترافًا بخلل مؤسسي، فيما قد يراه الشريك علامة على عدم الاستقرار. والأشد حساسية أن هذه المعارك لا تبدأ دائمًا مع الإعلان الرسمي عن الانتخابات. فكثيرًا ما تسبقها مرحلة أكثر هدوءًا؛ يبدأ فيها المرشح المحتمل ببناء حضوره وتقديم نفسه بوصفه صوتًا للإصلاح أو التغيير قبل أن يعلن دخوله السباق.
وهذا في ذاته ليس خطأ. بل إن بناء الحضور قبل الإعلان الرسمي قد يكون من أنضج أدوات الحملات الانتخابية، حين يُستخدم لتعزيز الثقة بالمرشح من خلال عمل يضيف إلى المؤسسة، لا من خلال خطاب يقتطع من رصيدها. فالحملة الذكية لا تحتاج إلى إضعاف الكيان كي تقوّي صاحبها.
الخطورة تبدأ حين تتحول هذه المرحلة إلى حملة غير معلنة تُبنى فيها صورة الشخص على حساب المؤسسة؛ فيصبح كل حديث عن القصور لبنةً في صناعة «المنقذ»، وكل أزمة فرصة لإثبات الحاجة إليه. ولهذا فإن حماية السمعة لا تبدأ مع فتح باب التصويت، ولا تنتهي بإغلاقه.
ولا يعني ذلك إسكات النقد أو إخفاء الأخطاء. فالمؤسسات القوية لا تخشى النقد، والحوكمة الحقيقية لا تقوم على الصمت. لكن هناك فرقًا بين نقد مؤسسي مسؤول يحدد الخلل ويقترح الحل، وبين استخدام عيوب المؤسسة وقودًا لحملة شخصية. وهناك فرق بين أن تقول: «لدي رؤية أفضل»، وبين أن تحتاج إلى إقناع الناس بأن كل ما حولك سيئ حتى تبدو أنت جيدًا.
فالشفافية لا تعني نشر الغسيل، والمساءلة لا تعني هدم الثقة، والإصلاح لا يحتاج إلى تشويه البيت لإثبات أن أحدًا يعرف كيف يعيد بناءه.
ومن هنا تصبح إدارة السمعة في المواسم الانتخابية مسؤولية لا تقل أهمية عن تنظيم الانتخابات نفسها. فالمواثيق والضوابط وحدها لا تكفي إذا لم تكن هناك إدارة واعية للمشهد الاتصالي، تعرف متى يكون الحديث اختلافًا مشروعًا، ومتى يتحول إلى رواية قد تضر بمصالح المؤسسة.
كما أن إدارة الأزمة لا تعني الرد على كل شيء؛ فالمؤسسة التي ترد على كل منشور قد تتحول إلى طرف في المعركة، والتي تصمت طويلًا أمام رواية خاطئة قد تجد الآخرين قد كتبوا قصتها عنها.
ثم تنتهي الانتخابات. يتصافح البعض، وربما يجلس من تنافسوا وتبادلوا النقد حول طاولة مجلس واحدة، لكن أثر الكلمات لا ينتهي معها، والثقة التي اهتزت لا تعود تلقائيًا بمجرد إعلان أسماء الفائزين. وهنا تكمن مأساة بعض الصراعات الانتخابية: ينشغل الجميع بمن كسب المقعد، ولا ينتبه أحد إلى أن الخاسر الأكبر قد يكون الكيان نفسه.
الطموح إلى العضوية حق، والمنافسة حق، والنقد حق، واختلاف الرؤى علامة صحة في أي مؤسسة ناضجة. لكن من يريد قيادة كيان، يجب أن يبدأ بحمايته قبل أن يصل إلى مجلسه.
فالمجالس تتغير، والدورات تنتهي، والأسماء تمر. أما الكيان، فمن المفترض أن يبقى أكبر من الجميع. ولهذا، قبل أن يسأل كل مرشح: كيف أفوز؟ ربما يجدر به أن يسأل أولًا: من يفوز... إذا خسر الكيان؟