هل الربيع العربي مؤامرة أمريكية؟!

هل الربيع العربي مؤامرة أمريكية؟!
وصف د. أكمل الدين إحسان أوغلو الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، الوضع الراهن في المنطقة بعد ثورات 'الربيع العربي' بأنه 'يذكرنا بالوضع الإقليمي في زمن اتفاقية سايكس - بيكو' ، و قال لي في حوار نشرته صحيفة 'المدينة' الثلاثاء الماضي:' اننا نجتاز مرحلة هى الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الأولى'. لا أظن أن ما قاله أوغلو هو مجرد حدس سياسي أو تخمين أفرزته مخاوف غير مبررة، لكن استعادة أجواء سايكس – بيكو، واستدعاء مشاعر خوف وخطر خيمت على الاقليم كله أثناء الحرب العالمية الأولى وبعدها، يستثير بدوره سؤالاً، عما إذا كانت أحداث الربيع العربي، ليست سوى الجزء الظاهر من سيناريو مؤامرة تستهدف إعادة هيكلة اقليم الشرق الأوسط، وفق رؤية جديدة، تستوعب حقائق ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وكذلك مقتضيات ما بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر؟ في الشارع العربي المسكون بنظرية المؤامرة، تغلب الظنون بأن ما حدث ويحدث ليس سوى سيناريو 'الفوضى الخلاقة' الذي تحدثت عنه كونداليزا رايس وزيرة خارجية الرئيس الامريكي السابق جورج دبليو بوش. في الشارع المصري مثلاً، يرى أنصار النظام السابق (الفلول) أن ما تشهده مصر والمنطقة ليس سوى جزء من مؤامرة أمريكية لم تكتمل فصولها بعد لاعادة هيكلة الشرق الاوسط برمته، بينما يرى فصيل من خصوم جماعة الإخوان المسلمين في مصر، أن الجماعة طرف في المؤامرة، ويستشهدون بحكايات عن لقاءات سرية بين رموز الجماعة وبين مسؤولين امريكيين كبار، معتبرين أن واشنطن سعت لدعم قوى الاسلام السياسي في دول الربيع العربي، في سياق رؤية أمريكية تستهدف بناء 'تحالف سني' مناهض لـ 'هلال شيعي' حذر منه العاهل الأردني قبل أعوام، وبدت بعض ملامحه بوصول نوري المالكي الى الحكم في العراق، وهيمنة تيار الثامن من آذار بزعامة حزب الله على المشهد السياسي في لبنان، وتنامي النشاط المسلح لجماعات ترتبط بالشيعة في اليمن. الحديث عن مؤامرة وراء ثورات الربيع العربي، لا يعكس فحسب هيمنة 'الاستسهال' على مناهج التحليل والبحث في العالم العربي، لكنه يعكس وبقدر أشد، ميلاًً الى تقزيم الذات، ويقيناً عربياً بالعجز وقلة الحيلة.ولا أعرف اذا كنا بصدد مؤامرة كبرى، فلماذا بدت واشنطن منحازة في البدايات لأنظمة ثارت عليها الشعوب؟!.. ولماذا تحولت مواقفها تبعاً لتحولات موازين القوى على الأرض، لتنتهي في كل مرة بدعوة الدكتاتور إلى الرحيل؟! وإذا كنا بصدد مؤامرة كبرى حيكت خيوطها بعناية كما يحلو للبعض أن يقولوا، فلماذا نشاهد هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الامريكية، في المنطقة، ثم يتبعها ليون بانيتا وزير دفاع اوباما، الذي حرص في القاهرة على لقاء، كل من الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي، و رئيس المجلس العسكري المشير محمد حسين طنطاوي.. هل زيارات كلينتون وبانيتا هى لاستكمال سيناريو مؤامرة الربيع العربي، أم لتوقي أخطاره على مصالح واشنطن في المنطقة؟ الإجابة عند هنري كيسنجر وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق، والرجل الذي ما تزال كلماته علامات على طريق كافة رؤساء الولايات المتحدة جمهوريين كانوا أم ديموقراطيين. يقول كيسنجر في مقال رائع له بصحيفة واشنطن بوست نشر مطلع العام الجاري تحت عنوان (نظرية جديدة للتدخل) ان أمريكا لا ينبغي ان تأبه لأيديولوجية نظام الحكم او لهوية الطبقة الحاكمة او لنوعية النخبة المهيمنة، فلا يهم ان كانت حكومات تلك الدولة ثورية، او دكتاتورية او ديموقراطية، فالمهم فقط هو سياسات تلك النخبة أو هذا النظام تجاه أمريكا، ويبدي كيسنجر دهشته من انشغال صحافة الغرب ورجال الحكم فيه بثورات 'الربيع العربي' معتبرا أن لا يجوز لحكومة في الغرب ان تتوقف طويلا امام تلك الثورات التي وصفها بأنها 'لحظة انترنت'. وينصح كيسنجر ادارة اوباما بعدم التدخل لا لدعم الثورات ولا لعرقلتها، مشيرا الى أن الغرب يبالغ في تصوير حقيقة الثورات العربية معتقدا انها قامت على دعامتين ( الشباب والديموقراطية)، ويبدد كيسنجر أوهام ادارته مشيرا الى أن الشباب باتوا خارج المعادلة حين سمحوا للقوى التقليدية (عسكر وإسلاميين) بإزاحتهم عن سباقات النفوذ والسلطة. ويشير كيسنجر الى انه لا يوجد أي رابط بين قيام الديموقراطية في دولة عربية ما وبين مصلحة أمريكية مباشرة يمكن تحقيقها بسبب ذلك، معتبرا ان شكل او طبيعة نظم الحكم التي قد تفرزها الثورات العربية لا ينبغي ان يكون الشغل الشاغل لواشنطن، ملمحا الى أن أكبر انجازات السياسة الخارجية الامريكية في نصف القرن الفائت، تحققت بفضل دعم واشنطن لأنظمة عربية مستبدة، ويعدد من بين الانجازات( انتصار امريكا في الحرب الباردة-تأمين مصالح واشنطن في الشرق الاوسط- فرض معاهدة صلح بين اسرائيل واكبر دولة عربية- تنفيذ بعض المهام القذرة في الحرب على الارهاب مثل مشاركة اجهزة امنية عربية في تعذيب معتقلين وانتزاع اعترافات منهم لحساب واشنطن). وينتهي كيسنجر بالتأكيد على أن أمريكا سوف تدعم أي نظام مهما كان استبداديا او ديموقراطيا، علمانيا او دينيا، مادام قد تعهد بحماية مصالح امريكا في الشرق الاوسط، فالمهم هو ان يلتزم بأمن اسرائيل، ومحاربة الارهاب، وتأمين امدادات النفط، وتأمين المرور عبر قناة السويس. رؤية كيسنجر .. هى رؤية أمريكا، وهى لا تعكس مؤامرة، بمقدار ما تفصح عن منهج الأقوياء في إدارة علاقاتهم الدولية، فهم مؤهلون دائما لبسط رؤيتهم على الآخرين، الذين لا يرون بدا من تقبل تلك الرؤية، والانخراط ضمن فريق يقوم على تطبيقها .

أخبار ذات صلة

مشروعك.. الطريق الذي يعيدك إلى نفسك!
ثيميستوكليس المنتخب السعودي!!
الترند.. ظاهرة العصر
دعوة للاهتمام بريفنا الجميل
;
هل العلاج بـ«الببتيدات» يسبب السرطان؟
أين الكفاءات الوطنية في غرف التقييم؟
حفظ النعمة
الوسطية ما بعد الإمبريالية
;
ظاهرة الاستفزاز المربحة
لا تستثمر في أبنائك!
هل كريستيانو صفقة رابحة أم خاسرة؟ (2)
30 يومًا.. بالعناية المركزة أعادت ترتيب حياتي
;
سر الأمن.. في رحلة العمر
من لندن إلى مكة.. رحلة إيمانية خالدة
نكد بلس !!
حج 1448.. موسم يبدأ قبل أن يبدأ