Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. عائشة عباس نتو

حج 1448.. موسم يبدأ قبل أن يبدأ

A A
في مكة، لا يأتي الحج فجأة، ولا يبدأ في يوم التروية وحده، ولا ينتهي بانصراف آخر حاج من المشاعر. الحج في هذه البلاد يبدأ مبكرًا؛ في وثيقة تُسلّم، وفي موعد يُحترم، وفي خطة تُرسم، وفي عين مسؤول تعرف أن خدمة ضيوف الرحمن ليست مهمة موسمية، بل شرف يتجدد كل عام.
والحج ليس أكبر تجمع بشري فحسب، بل مشهد إيماني فريد، تتحرك فيه ملايين البشر وفق مواقيت ثابتة لا يضعها المنظمون، ولا يملكون تغييرها. هنا تكمن فرادة المشهد، وهنا تتضاعف صعوبة إدارة الحشود؛ لأن الزمن في الحج جزء من النسك، والمكان جزء من الطمأنينة، والخدمة لا تحتمل الارتجال.
تسليم وزير الحج والعمرة الدكتور توفيق الربيعة وثيقة الترتيبات الأولية لمكاتب شؤون الحج استعدادًا لموسم حج 1448هـ، لم يكن إجراءً إداريًا عابرًا، بل رسالة واضحة بأن السعودية تمضي إلى موسمها بعقل منظم، وقلب مفتوح، ويد لا تتأخر عن خدمة الحاج.
التطويرات التي أُعلنت في مكة، من إطلاق الباقة الشاملة التي تجمع السكن في مكة والمدينة، وخدمات المشاعر، والنقل، والإعاشة، تكشف أن الحاج لم يعد يُنظر إليه كرحلة عابرة بين المواقع، بل كإنسان يستحق تجربة متكاملة، تحفظ راحته، وتصون وقته، وتمنحه الطمأنينة منذ وصوله حتى وداعه.
وتطوير باقات المشاعر إلى ثلاث فئات، مع إلغاء الباقة «د»، ليس مجرد تعديل في التصنيف، بل انتقال نحو خيارات أوضح، وأكثر عدلًا، تراعي اختلاف الرغبات، وتقترب من احتياج الحاج كما تقترب مكة من الدعاء.
أما البرنامج التدريبي الإلزامي لتأهيل أعضاء مكاتب الحجاج، فهو حجر الزاوية في هذا التحول؛ فالحج لا يخدمه النظام وحده، بل يخدمه إنسان مؤهل، رحيم، يعرف أن خلف كل تأشيرة قلبًا جاء من بعيد، يحمل شوق العمر.
هكذا تبدأ مكة موسمها قبل موسمه، وهكذا تثبت السعودية، عامًا بعد عام، أن خدمة الحاج ليست واجبًا فقط، بل رسالة وطن، وضمير دولة، وكرامة مكان.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store