كتاب

الكتابة تاريخ في التاريخ

أن تكتب رواية تاريخية، هذا يعني أنك مسؤول أمام الحاضر والبشر والتاريخ.. كل كلمة تأتي منك توضع في الميزان، تستيقظ ذات يوم أمامك كالورد والشوك.. لا أحد يدري متى يحدث ذلك لكن التاريخ يدرك صناعه أبدًا ولا يمكنهم أن يفلتوا منه مهما طال الزمن.. والكتابة هي تاريخ في التاريخ، أي مادة أدبية تنشأ في لحظة تاريخية وهي غير منفصلة أبدًا عن التاريخ الخاص أو العام.. لم تكن نظرتي التاريخية سوداوية على الأقل من حيث فعل الكتابة الواعي، عندما كتبت رواية 2084 حكاية العربي الأخير، التي استبقت هزائمنا القادمة ومآلاتنا التراجيدية إذا بقيت أوضاعنا على ما هي عليه.

كنت أبحث في عمق هزائم هذا العالم العربي الذي صنع أمجادًا كبيرة، ويقبل اليوم أن يعيش في الزاوية المظلمة، أو يضمحل في سكينة ويأس، باحثًا عن أية قصبة للنجاة الفردية، ولا يعلم أن حياته لا يمكن إلا أن تكون جماعية، مثلما هي مأساته اليوم.. يحتاج اليوم إلى حيل جحا الذكية، وجسارة دون كيخوتي الذي دخل في عمق حروبه الخاسرة بشهامة الفارس، ولكن أيضًا بيقين أن الزمن الحالي ليس قدرًا مطلقًا ودائمًا مسترشد بحياة الأمم السابقة وصراعاتها.


تملك الرواية كجنس حي ومتفتح، القدرة على لمس هذا الزمن العربي الصعب.. لا أعتقد أن العرب عاشوا زمنًا شبيهًا بما يعيشونه اليوم.. فقد استُرخِص كل شيء لدرجة أصبح كل ما يحيط بهم لا حدث، بعد أن خسر العربي، أو كاد، الرغبة في الحلم والتخطي، وربما الحياة أيضا.. قيمة العربي نزلت إلى درجة لم يعد أحد منشغلا لا بها، ولا بعدد القتلى يوميًا في التفجيرات أو الإعدامات المجانية، أو الموت بالأمراض الفتاكة والأوبئة التي عادت إلى الواجهة في الكثير من البلدان العربية.. الدم العربي أصبح تقريبا لا شيء، ولا يشغل الإعلام العربي والعالمي الذي تعود على الأرقام وكأنه لا توجد وراء الأرقام حيوات بشر ليسوا أقل ولا أكثر قيمة من غيرهم.

من يتأمل الخارطة العربية المشتعلة يدرك بسرعة مأسوية الوضع الذي يسير نحو قدر انتحاري مسطر سلفًا.. قد تكون من نتائجه القادمة نهاية العرب كوحدة وقوة في المنطقة، بعد الاختلالات العسكرية الكلية بين العرب مجتمعين وإسرائيل.. وسيعيش العرب، إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه، هولوكوستا مدمرًا كليًا، إذا لم نكن اليوم في عمقه.. 2084 حكاية العربي الأخير، لا تقول أكثر من هذا، وتترك


الباب مواربا أمام هذا العربي الذي سيعيد تصنيع التاريخ من جديد، وفق رؤى وأنظمة أخرى.. لهذا فسوداويتها ليست إلا غبار الرماد الذي يملأ عيوننا اليوم. في نفس السياق، اختارت الرواية أن تذهب عميقًا في الهزائم العربية.

على الصعيد الإستراتيجي هناك تدمير لأي نواة عربية قادرة على التفكير في التحديث والتغيير الديمقراطي.. لأن هذا التحول الإيجابي إذا كان يفرح الغرب الإنساني، فهو يتناقض مع مصالح الغرب الاستعماري.. وسيقود في النهاية إلى الانهيار الكبير والمنظم، لهذا نحتاج إلى كتلة عربية متراصة لتخطي المخاطر المحدقة ولتكذيب النبوءات الخاطئة التي تبشر بالنهايات المفجعة.. لا حل آخر أو الحلول الفردية التي تنتهي إلى النهايات الفردية أيضًا كما في ملوك الطوائف في الاندلس حيث أصبح كل حاكم يتحرك فرديًا حتى سيجت مدافع القشتاليين غرناطة، آخر قلاع المسلمين.. لنا في التاريخ الذي تستقيه الرواية عبرة تسمح لها بأن تنهض على أساس ثقافي يبرر اتجاهاتها وخياراتها الأدبية المختلفة.. ما تقوله رواية العربي الأخير ليس تاريخًا معاشًا فقط، ولكن أيضًا تاريخًا افتراضيًا، ولحظة الخوف من خسران آخر ما تبقى واقفًا لنا؟

أخبار ذات صلة

مشروعك.. الطريق الذي يعيدك إلى نفسك!
ثيميستوكليس المنتخب السعودي!!
الترند.. ظاهرة العصر
دعوة للاهتمام بريفنا الجميل
;
هل العلاج بـ«الببتيدات» يسبب السرطان؟
أين الكفاءات الوطنية في غرف التقييم؟
حفظ النعمة
الوسطية ما بعد الإمبريالية
;
ظاهرة الاستفزاز المربحة
لا تستثمر في أبنائك!
هل كريستيانو صفقة رابحة أم خاسرة؟ (2)
30 يومًا.. بالعناية المركزة أعادت ترتيب حياتي
;
سر الأمن.. في رحلة العمر
من لندن إلى مكة.. رحلة إيمانية خالدة
نكد بلس !!
حج 1448.. موسم يبدأ قبل أن يبدأ