كتاب

نظرة «ما بعد إنسانوية» في أحداث الولايات المتحدة

لا يمكن فصل ما يحدث في الولايات المتحدة، وفي العالم بالتالي، من أحداثٍ كان مقتل «جورج فلويد» الشرارة التي فجّرتها، لتنبثق بعد ذلك مسيرات الاحتجاجات المليونية، ومظاهر الصراع والفوضى التي عجزت عن إيقافها أقوى الأنظمة وأكثرها مرونة، كما عجزت عن فهمها وإدراك أبعادها العقول المستنيرة لمنظري العالم وفلاسفته. أقول لا يمكن فصل ما يحدث عن خطاب حركة ما بعد الإنسانوية التي نشطت منذ مطلع القرن الحالي، لتعبّر عن تحفّظات نقاد هذا الاتجاه على نتائج الحركة الإنسانوية. وقد تحدثتُ عن الحركة وأبرز اتجاهاتها في ورقة بعنوان (ما بعد الإنسان وما بعد الإنسانوية: مقدمة في المفاهيم والاتجاهات النقدية)، ناقشها منتدى جدة للدراسات النقدية في واحدة من جلساته الساخنة.

يرى نقاد «ما بعد الإنسانوية» أن حركة الإنسانوية التي تمثل حجر الزاوية في خطاب التنوير الذي قام عليه الفكر الحديث، وبالتالي العصر الحديث، فشلت في تحقيق وعودها الوردية حول حرية الإنسان ورفاهيته. من هنا تنطلق الحركة من نظرة نقدية بحتة تحاول إعادة النظر في الخطاب الإنسانوي، وملاحظة المحاور والقضايا التي غفل عنها الخطاب ولم يتنبه لها، ونتج عن ذلك بالتالي عددٌ من الظواهر السلبية والكوارث الإنسانية مثل الحروب المدمرة، والتسابق اللاهث على التسلّح بين الدول الكبرى، واتساع الهوة بين الدول الصناعية وبقية دول العالم، وانتشار الفقر والجوع والأمراض والأمية في دول العالم الثالث وغير ذلك.


ينظر خطاب ما بعد الإنسانوية أيضاً إلى قضايا «الهوية» الشائكة الناتجة عن الهوة بين هذه العوالم في ظل الانتشار المرعب لحركات الهجرة من أفريقيا وآسيا وبقية بلدان القارات الأقل حظاً إلى الولايات المتحدة وأوروبا، بالإضافة إلى تردي أحوال الأقليات العرقية في البلاد الكبرى، ووصول الإنسان فيها إلى مستوى معيشي متردٍ.

يرى النقاد ما بعد الإنسانويين أن العالم قد وصل إلى مرحلة لا يمكن حل مشاكله فيها بالاعتماد على المفاهيم القديمة للهوية، والمرجعيات الدينية والسياسية والاجتماعية. يحتاج النقد لفهم العصر واستشراف مستقبل أفضل للإنسان إلى الانسلاخ من قيوده المعرفية التي أطّرت مفاهيمه المعروفة، وشكّلت تصوراته عن القيم الإنسانية العليا. قد يتفق هؤلاء النقاد على أن القيم العليا هي نفسها: (الحرية، العدالة، المساواة، حرية التعبير واختيار المصير... الخ)، لكنهم يختلفون في تعريفها مع الخطاب الإنساونوي السائد، لأن فشل المشروع الإنسانوي (انتشار الحروب، والكوارث، والهوة بين الدول، والفقر والجوع، وقضايا الهجرة ومشاكلها) يعود إلى خطأ الخطاب في تعريف هذه القيم. من هنا يسعى نقاد هذه الحركة إلى إعادة تعريف الإنسان عبر قراءات متجددة وجريئة للأرشيف التاريخي والأدبي والاجتماعي للإنسان، قراءات تركز على الجوانب المهملة، والأطراف المهمشة، والزوايا المظلمة. ومن ذلك بالطبع وضع الملونين في الولايات المتحدة وأوروبا، وحال حقوق المرأة، وسياسات التعامل مع المهاجرين ومدى تفهمها للعوامل الحقيقية التي تقودهم للهرب من بلدانهم بأعداد غفيرة.

أخبار ذات صلة

مرة أخرى.. «كن وطنيًّا غاليًا في الوطنية»
الوزير خوجة.. وقراءة واعية لمستقبل الإعلام السعودي؟
الهيئة الملكية لمكة المكرمة
بين حارسَي (البنك والكرة)!!
;
دروسٌ.. لا تُكتب في الوصف الوظيفي
العزلة الأنيقة.. وفلسفة العبور الخفيف
شركات التأمين.. وعدالة تقدير الأضرار !!
المشروع الرياضي السعودي.. رؤية تصنع المستقبل
;
التفسير في نواصي التفكير..!
أيُّها الأمينُ: اجعلها رخاءً وبلاش شِدَّة!!
أفراح وخراب بيوت!!
البالون لا يكبر وحده!!
;
كاوست.. جدارة الاستحقاق لا التحيز
شبيهة «الخلية» ليست «خلقًا» من العدم!!
حلمك ينتظر شجاعتك
شاهين - إكس